نقل مقر المحكمة الابتدائية بتونس ... هياكل القضاء تبدي مواقفها ونشطاء يطلقون حملة "سيب المحكمة"

 تواترت قبل أيام من افتتاح السنة القضائية الجديدة، عدد من المواقف والتعليقات المتباينة، حول قرار نقل المحكمة الابتدائية بتونس من مقرها الحالي إلى مقر جديد بجهة حي الخضراء على ملك الإتحاد العام التونسي للشغل، والذي لم يتأكد بعد في ظل غياب توضيحات رسمية من الجهات المعنية، والغموض الحاصل على مستوى جزئيات ومفاصل مشروع النقلة، الذي كان محل استغراب من بعض الأطراف المعنية بهذا القرار من قضاة ومحامين وكتبة المحاكم، ممن عبروا عن استنكارهم لعدم تشريكهم في مثل هذا القرار الهام والظروف التي أقرته في هذا الظرف بالذات، وعدم استشارتهم في اختيار المقر.


حالة من الاستفهام والقلق، أثارت في الآونة الأخيرة جملة من التساؤلات لدى جمهور المتعاملين مع المحكمة وبمختلف أصنافهم، حول أسباب اتخاذ قرار النقلة، والمواصفات الواجب توفرها في المقر الجديد الذي سيقع تسوغه، وما يمكن أن تحدثه النقلة من إشكاليات تطبيقية وتشتت في المصالح و الموجبات، والمخاطر التي من الممكن أن تنجر عنها خاصة على مستوى سلامة الوثائق والأرشيف عند انجاز العمليّة.
• الهيئة الوطنية للمحامين التونسيين: المقر الجديد لا تتوفر فيه أدنى الشروط المطلوبة للعمل
حالة التململ من المنتمين للمنظومة القضائية إزاء هذا القرار، برزت أكثر من خلال الرفض القطعي للهيئة الوطنية للمحامين التونسيين لنقل المحكمة الابتدائية بتونس 1 إلى البناية الجديدة للإتحاد العام التونسي للشغل، والتي اعتبرتها على اثر الزيارة الميدانية قام بها عميد المحامين عامر المحرزي رفقة عدد من القضاة والمسئولين التابعين لوزارة العدل إلى المقر الجديد ، أنه "تبين .. أن المقر الجديد لا تتوفر فيه أدنى الشروط المطلوبة للعمل وهو مهيئ للنشاط الإداري فقط ولا يستجيب للمواصفات الدنيا، وأن المقر تغيب عنه المرافق الضرورية وانعدام مآوي السيارات. وهو ما دفع الهيئة الوطنية للمحامين إلى الدعوة لضرورة التفكير جديا في مكان ثان لنقل مقر المحكمة إليه مع ضرورة تشريك المحامين في اختياره وصرف النظر عن المقر الحالي. كما دعت وزير العدل إلى أخذ مجمل النقاط السابقة بعين الاعتبار، مشددة على رفضها القطعي لنقلة مقر المحكمة في هذه الظروف.
وفي هذا السياق، أوضح عميد المحامين عامر المحرزي إنهم كهيئة غير راضين عن نقل المحكمة في صيغتها الحالية باعتبار أنه لم يقع تشريكهم في اتخاذ القرار وحتى في المسألة التنظيمية.
• نقابة القضاة: الاشكال ليس في الترميم أو النقل بل في ضرورة مراجعة وإصلاح المنظومة القضائية والبنية التحتية للمحكمة في الآن نفسه
رئيس نقابة القضاة التونسيين فيصل البوسليمي اعتبر في تصريح صحفي أن المشكلة ليست في ترميم المحكمة أو نقل مقرها مادامت المنظومة القضائية لا تزال «متخلّفة» وتتطلب الإصلاح وشدد على ضرورة إصلاح المنظومة القضائية مضيفا أن المشكل بالنسبة للمحكمة الابتدائية بتونس هي أنها أصبحت غير قادرة على استيعاب عدد القضاة والمتقاضين وأيضا المحامين، مشددا على ضرورة مراجعة وإصلاح المنظومة القضائية والبنية التحتية للمحكمة في الآن نفسه.
• جمعية القضاة: كان من المفروض بناء مقرات لائقة للمحاكم عوض اللجوء إلى الحلول السهلة
وبين الكاتب العام لجمعية القضاة التونسيين حمدي مراد، أنه لم يتم تشريك الجمعية في اتخاذ قرار نقل مقر المحكمة الابتدائية بتونس إلى مقر جديد مشيرا إلى أن الجمعية كانت اقترحت على الحكومات المتعاقبة وأيضا وزراء العدل المتعاقبين تخصيص مقر التجمع المنحل لفائدة العدالة ولكنه لم يتم الاستجابة لطلبها، مشيرا إلى أن وجود إشكالية كبيرة ستحصل عند نقل مقر محكمة تونس إلى مقر آخر، مضيفا أن الجمعية مع نقل مقر المحكمة خاصة وأن المقر القديم آيل للسقوط ويتطلب ترميمات في بعض أجزائه ولكن كان من المفروض حسب تصريحه بناء مقرات لائقة للمحاكم عوض اللجوء إلى الحلول السهلة.
وقال رئيس الجمعية التونسية للقضاة الشبّان مراد المسعودي في تصريح صحفي، إن المحكمة الابتدائية بتونس تم إنشاؤها منذ سنة 1901 وهي معلم أثري هام ولديها دلالات كبيرة، هذا بالإضافة إلى قربها من المواطنين ولديها عدة مداخل قريبة من جميع المرافق مشيرا إلى أن نقل مقرها شيء محمود ما دام فيه اتجاه لتحسين الوضع المادي لها ولكن» مايعيب المسألة عدة إشكاليات منها الصعوبة في نقل المحجوز خاصة لما يحتويه من أرشيف والذي استغرق جرده خمسة أشهر فما بالك بنقلته هذا بالإضافة إلى احتوائها على مكتبة أثرية ولا بد أيضا من جرد كتبها قبل نقلها»، واعتبر أنه كان من المستحسن ترميم المحكمة عوضا عن نقل مقرها فمبلغ الكراء في حد ذاته يمكن أن تشيّد به محكمة أخرى مشيرا إلى أن جمعية القضاة الشبان ترى أنه من المستحسن التسريع بأشغال المحكمة وترميم ما يجب ترميمه لأن قرار نقل مقرها لديه عديد التداعيات على المرفق القضائي سواء بالنسبة للمحامين أو القضاة أو المتقاضين وكان من المفروض تشريك تلك الأطراف في اتخاذ القرار.

كما تجلى عدم الرضا في الحملة التي أطلقها عدد من المحامين ومختلف العاملين في المرفق القضائي تحت شعار " "سيب المحكمة"، للتعبير عن رفضهم القطعي لكراء مقر لا تتوفر فيه أدنى الشروط المطلوبة للعمل ب2 مليار في السنة. حيث أكدت الأستاذة المحامية "ملكة بودربالة" المنسقة العامة للحملة، في تصريح لموقع " قضاء نيوز" ، أن هذه الحملة، جاءت كرد على ما تردد من أنه سيتم نقل مقر محكمة تونس 1 إلى مبنى الاتحاد العام التونسي للشغل بحي الخضراء، لإيصال أرائهم ومواقفهم " كمحامين وقضاة وتجار ومواطنين" ، المعارضة لقرار نقلة مقر المحكمة إلى هذا المقر الجديد، في مثل هذا الظرف، متسائلة عن الأسباب التي تدفع سلطة الإشراف إلى كراء هذا المقر بمثل هذه التكلفة الباهضة، التي كان يمكن توظيفها في بناء مقر جديد، وإن كانت الدولة التونسية مرتهنة إلى أوامر الإتحاد الأوربي، لتنفذ كل طلباته، ومنها فرض كراء هذا المقر الغير ملائم للعمل.

وبينت منسقة حملة "سيب المحكمة "، أن قرار نقل المحكمة الابتدائية بتونس من قصر العدالة بشارع باب بنات إلى مقر الإتحاد العام التونسي للشغل بحي الخضراء، دون التشاور مع باقي الهياكل المعنية، إجراء يطرح العديد من التساؤلات على المستوى الأمني وسوء التصرف وأيضا على مستوى الأضرار التي ستلحق مصالح المتقاضين وتشتت عمل المحامين والقضاة والكتبة وغيرهم، إضافة الى افتقار هذا المقر التابع للإتحاد العام التونسي للشغل للمرافق الضرورية لعمل القضاة والمحامين والكتبة وانعدام مأوى للسيارات، وفق قولها.

وعبرت المحامية ليلى الحّداد بدورها عن رفضها نقل مقر محكمة تونس 1 إلى مقرها الجديد بحي الخضراء، وأن وزارة العدل تتحمل مسؤوليتها في نقل المحكمة مثلما أشار إلى ذلك عميد المحامين، مشيرة إلى أن المقر الجديد للمحكمة لا تتوفر فيه المواصفات فهناك انعدام القاعات للجلسات، انعدام مستودع تودع فيه سيارات المحامين والقضاة، عكس مقر المحكمة الابتدائية بتونس الذي يعتبر من أكبر المحاكم في تونس لاحتوائها على عدد كبير من القضايا.

وأشارت في تصريح صحفي لها، الى أن المقر الجديد لا يتماشى مع مواصفات المحكمة للقيام بمحاكمات عادلة إضافة إلى أنه غير مهيأ لاستقطاب المئات من المحامين والمتقاضين والقضاة، وأكدت أنه من الناحية اللوجستية فالمقر الجديد للمحكمة غير مؤهل كي يكون فضاء لممارسة العدالة وتحقيقها فلا القضاة ستكون لهم مكاتب ملائمة تتوفر، وفق قولها.

كما أكدت المحامية والناشطة الحقوقية لمياء بوعلي في تصريح لموقع " قضاء نيوز"، أن عملية اختيار المقر الجديد للمحكمة الابتدائية لم تراعى فيها، لا مصلحة المتقاضين، ولا الجانب الأمني، وأنها كأغلب زملائها المحامين المتواجدين بفرع تونس الكبرى، ترفض قرار نقل المحكمة الابتدائية بتونس لمقرها الجديد لعديد الاعتبارات، أولها أنه لم يقع استشارة هيئة المحامين والمحامين أنفسهم في عملية اختيار المقر وقرار التغيير، وقد عبر على ذلك عميد المحامين في العديد من الفرص، إضافة إلى أن عملية اختيار المقر لم تراعى فيه، لا مصلحة المتقاضي لا مصلحة المحامين ولا الجاني الأمني.

واعتبرت في ذات التصريح أن المقر الجديد لا يمكن أن يكون بأي صورة من الصور، مقر للمحكمة، لكون تصممه دائري وأغلب واجهاته من بلور، لا يستجيب لشروط السلامة المهنية، وبعده عن مكاتب المحامين، وغياب مآوى للسيارات خاصة بالقضاة والمحامين، إلى جانب صفقة اختيار المقر التي تمت في مكاتب مغلقة، حولها العديد من الأسئلة، تحوم حولها العديد من الشبهات، لابد من توضيحها.

من جهته، اعتبر الأستاذ فيصل الجدلاوي في تصريح صحفي، أن نقل المحكمة الابتدائية بتونس من قصر العدالة بشارع باب بنات إلى مقر الإتحاد العام التونسي للشغل بحي الخضراء إجراء يطرح العديد من التساؤلات على المستوى الأمني وسوء التصرف وأيضا مصالح المتقاضين وتشتت عمل المحامين والقضاة والكتبة وغيرهم، مضيفا أن «الصفقة التي تم إبرامها بواسطة وزير العدل السابق مع الاتحاد العام التونسي للشغل والمتعلقة بكراء مقر الاتحاد لاستغلاله محكمة ابتدائية لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد بمعين كراء شهري قدره 165 ألف دينار أي ما يعادل 6 مليارات عن كامل المدة دون اعتبار التجديد تحوم حولها شبهة فساد لعدة أسباب.

وذكر الجدلاوي، في ذات التصريح بأنه "على المستوى العملي فإن هذه العملية ستشتت جهود المحامين والقضاة وكتبة المحاكم (الطور الابتدائي في حي الخضراء، والطور ألاستئنافي في شارع باب بنات، كتابة محكمة الناحية في 9 افريل والجلسات في حي الخضراء، نقل ملفات القضايا من 9 افريل إلى حي الخضراء بواسطة السيارة قبل موعد الجلسة)، هذا بالإضافة إلى استحالة دخول سيارات المحامين والقضاة والكتبة والمتقاضين إلى الأماكن المحيطة بمقر المحكمة لعدم وجود مأوى.

أطراف أخرى، اعتبرت أن نقل مقر المحكمة الابتدائية بتونس إلى حي الخضراء، بغض النظر عن الاحترازات المسجلة حول اختيار المقر، تبقى ضرورة، أمام السلامة المهنية لمختلف العاملين بالمقر الحالي للمحكمة، مؤكدين أن المقر الحالي آيل للسقوط ويشكل تهديدا خطيرا على سلامتهم وسلامة القضاة والمتقاضيين. وقد أكد في هذا السياق كمال كوساني عضو النقابة الجهوية بمحاكم جهة تونس في تصريح لـموقع " قضاء نيوز"، انه لا اعتراض لنقابة العدلية على النقلة الوقتية للمحكمة الابتدائية بتونس. وقد سانده محمد علي العمدوني الكاتب العام للنقابة العامة لأعوان العدلية الذي اعتبر في تصريح لموقع " قضاء نيوز"، أن قرار نقل المحكمة الابتدائية بتونس بصفة مؤقتة فرضته الظروف الموضوعية، وبالتالي لا يمكن التسليم في الصحة والسلامة المهنية على حساب قرب المرفق القضائي، خاصة وأن كل الاختبارات أكدت بأن قصر العدالة بوضعيته الحالية يشكل خطرا محدقا على كل من يعمل به وكل رواده ويتطلب إصلاحات وتدخل استعجالي لتفادي الكارثة. وعلى هذا الأساس، عندما توفرت الإعتمادات تقرر القيام بالإصلاحات الضرورية حفاظا على السلامة الجسدية للجميع والعمل اللائق.

أما فيصل الرمضاني عضو النقابة الأساسية بالمحكمة الابتدائية بتونس ونواحيها فقد اكد في تصريح لموقع " قضاء نيوز"، أن النقابة الأساسية للكتبة لا تتدخل في نقلة المحكمة أو اختيار المقر الجديد والنقلة تبقى ضرورة، مشيرا إلى أن الطرف النقابي سبق واصدر عديد البيانات في مسألة ظروف العمل القاسية داخل المحكمة الابتدائية بتونس، والتي تم فيه التأكيد على أن مقر المحكمة لم يعد يستوعب كل نشاطها، بالنظر إلى النقص الواضح في المكاتب والمرافق الأساسية، إلى جانب غياب شروط السلامة المهنية، والاكتضاض الذي تعرفه المكاتب الخاصة بالقضاة والكتبة.
وبين محدثنا أن النقابة الأساسية للكتبة بالمحكمة الابتدائية بتونس ونواحيها لا تتدخل في نقلة المحكمة أو اختيار المقر الجديد، باعتبار أن المسألة من مشمولات سلطة الإشراف، وان النقلة تبقى ضرورة بغض النظر عن المقر الذي ستذهب له المحكمة، والذي يجب أن تتوفر فيه شروط معينة، وخاصة المتعلقة بالسلامة واستيعاب النشاط الكبير للمحكمة الابتدائية بتونس الذي يمثل اكثر من 40 بالمائة من النشاط داخل الجمهورية.

 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الجمعة, 16 أيلول/سبتمبر 2016 16:27
  • حجم الخط

فيديوهات قضاء نيوز

Loading Player...

تابعونا على الفايسبوك



تابعونا على تويتر

خريطة الموقع

للإتصال بنا

العنوان : 29 شارع المنجي سليم باردو

الهاتف : 224 224 71

الفاكس : 244 224 71

البريد الإلكتروني : marsed.kadha.tn@gmail.com