02 نيسان/أبريل 2018 قراءة 119 مرات كٌن أول من يعلق!
نشرت "الصباح " يوم الاحد 25 مارس 2018 مقالا بعنوان "هيئة الحقيقة والكرامة .. بين قرار التمديد وقرار طلب التمديد" للسيّد ابراهيم البرتاجي  ولا يعتبر الاستاذ في مقاله قرار هيئة الحقيقة والكرامة الذي اثار جدلا واسعا في المدة الأخيرة قرار تمديد بل يعتبره طلبا توجّهه الهيئة الى مجلس نوّب الشعب "
و قد اعتمد في بيان رأيه على مبدئين "من شأنهما إنارة السبيل للوصول للمعنى الحقيقي الذي قصده المشرّع حسب رأيه وهما مبدأ سيادة الدولة و مبدا التأويل للضيّق للاستثناء" وسنناقشه في هذين المبدأين أساسا

1 – في مبدأ السيادة

نلاحظ أنّ مبدأ السيادة يتجسّم من خلال احترام مجلس نوّاب الشعب للدستور وممارسة مهامه في إطار اختصاصه المبيّن في الدستور فلا اختصاص بدون نص وفي إطار الصيغ المبيّنة في الدستور مثل المصادقة على القوانين (الفصل 64) والتصويت على لائحة لوم ضدّ الحكومة (الفصل97 )والموافقة على الاتفاقيات المبرمة في شأن عقود الاستثمار المتعلّقة بالثروات الطبيعية التي هي ملك الشعب التونسي (الفصل13). 
يبدو لنا ان تصوّر الأستاذ البرتاجي لمبدأ السيادة معتلّ بخروجه عن الدستور وبحصر القرارات النهائية في جميع المجالات في يدي السلطتين التنفيذية والتشريعية من خلال إعطائهما صلاحيتي المصادقة والنقض تجاه السلطة القضائية وتجاه بقية مؤسّسات الدولة 
ان مبدا السيادة كما يفهمه الأستاذ البرتاجي يتعارض مع ما نفهمه نحن من مفهوم السيادة فهو عندنا يعني سيادة القانون أولا ...وخضوع السلطة التشريعية هي نفسها لمبدا سيادة القانون يعني في تصورنا وفي تصور غيرنا التزامها في ممارسة صلاحياتها و في سنها للتشريعات أحكام الدستور الذي يعلو على القوانين كافة ، والتزام السلطة القضائية بمبدأ سيادة القانون يتجلى فيما تصدره من أحكام تطابق القانون ويبدو خضوع السلطة التنفيذية للمبدأ نفسه أكثر أهمية فيما تصدره من قرارات وما تقوم به من أعمال . 

2 – في مبدأ التأويل الضيّق

ذكر الأستاذ البرتاجي بأنّ الفصل 18 من القانون الاساسي المتعلّق بإرساء العدالة الانتقالية يقرّ مبدأ مفاده أنّ عمل الهيئة يدوم أربع سنوات ويردفه باستثناء يتمثّل في امكانية التمديد و يرى أنّه "عند النظر في مقتضيات الاستثناء يتعيّن اتباع أقصى درجات الصرامة حتّى يكون الاستثناء صعب التحقّق"
يتضح من خلال ما عبّر عنه الاستاذ انّه بعيد عن تطبيق هذا المبدأ الذي يمكن تلخيصه في عدم التوسّع في مدلول النصّ عند تأويله وشرحه. لكن هل يمكن للتأويل واسعا كان أو ضيّقا ان يصبح انحرافا بالنصّ عن مراده ؟
فخلافا لما عبّر عنه فإنّ الاستثناء يتحقّق إذا توفّرت شروطه ولا مجال لاعدام امكانيته . غيران الأستاذ لم يبحث عن المعنى الحقيقي الذي قصده المشرّع ولم يعتمد التأويل الضيّق بل توسّع في تأويل النصّ ايما توسع فحمله ما لا يتحمل وأضاف اليه ما لم يتضمنه 
فالقول بأن قرار الهيئة التمديد في مدة عملها هو مجرد طلب في التمديد يرفع إلى المجلس التشريعي الذي له سلطة القرار في ذلك هو تحريف لإرادة المشرع لأنه لو كان المقصود فعلا هو ذلك لكانت صياغة الفصل على النحو الاتي: بقرار من المجلس التشريعي يتخذ بناء على طلب معلل من الهيئة" وهي صيغة متواترة في النصوص القانونية ونذكرهنا على سبيل المثال حالات قليلة من جملة امثلة لا حصر لها مثل ما نص عليه القانون الأساسي عدد 45 لسنة 2017 ويتعلق بتنقيح وإتمام القانون عدد 40 لسنة 1975 المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر من أنه "يمكن لقاضي التحقيق الإذن برفع تحجير السفر تلقائيا أو بطلب من المظنون فيه أو محاميه، بعد أخذ رأي النيابة العمومية، أو بناء على طلب من وكيل الجمهورية" وكذلك ما تضمنه الفصل 19 من القانـون الأساسي عدد 10 لسنة 2017 المتعلق بالإبلاغ عن الفساد وحماية المبلغين من أن " ينتفع المبلّغ بناء على طلب منه...وأيضا الفصل 56 من القانون الأساسي عدد 61 لسنة 2016 القانون المتعلق بمنع الاتجار بالأشخاص "للجهة القضائية المتعهدة أن تقرر من تلقاء نفسها أو بطلب من ممثل النيابة العمومية أو بناء على طلب كل من له مصلحة في ذلك إجراء الجلسات بصورة سرية".
وخلافا لما ارتاه الأستاذ في تكييفه لقرار الهيئة بانه يندرج في المسارات التقريرية المكونة من جزأين مستندا في ذلك الى قرار الوزير الذي يخضع الى تأشيرة رئيس الحكومة والى قرار رئيس البلدية الذي يخضع الى مصادقة الوالي وبأن المسالة تتعلق " بسلطة عليا و بسلطة سفلى " فان اجراء التأشيرة او المصادقة هي من الإجراءات التي يتعين التنصيص عليها صراحة بمقتضى القانون وهو ما لم ينص عليه الفصل 18 . وفضلا على ذلك فان قرار الوزير الذي يخضع الى تأشيرة رئيس الحكومة يكون في اطار علاقة هرمية ضمن نفس اعضاء السلطة التنفيذية. ومن المعلوم ان الهيئات المستقلة لا تربطها علاقة هرمية لا بالسلطة التشريعية ولا بالسطة التنفيذية في اتخاذ قراراتها....والا لكانت كل قرارات الهيئات المستقلة خاضعة للمصادقة والتأشير وهذا ما لا يقتضيه مفهوم الاستقلالية مطلقا 
وبخصوص العلاقة بين رئيس البلدية والوالي نوضح ان الرقابة التي يمارسها الوالي هي رقابة إشراف ولا بد ان تكون بنص صريح طبق القاعدة العامة التي تقضي انه لا إشراف دون نص ولا إشراف خارج النص . 
كما ان السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو كيف توصل الأستاذ الى ان للمجلس التشريعي سلطة قرار حتى نتحدث عن " سلطة عليا وسلطة سفلى " فمجرد رفع الهيئات لتقاريرها السنوية سواء لمجلس النواب او رئيس الحكومة او رئيس الجمهورية لا يعني بتاتا ان للجهات التي ترفع اليها التقارير سلطة مراجعة او تقدير او مصادقة فالمجلس الاعلى للقضاء يعد تقريرا سنويا يحيله على كل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس نواب الشعب، ورئيس الحكومة في أجل أقصاه شهر جويلية من كل سنة، ويتم نشره ويناقش مجلس نواب الشعب التقرير السنوي في مفتتح كل سنة قضائية في جلسة عامة للحوار مع المجلس طبق الفصل 114 من الدستور 
اما بخصوص التعليل الوارد في الفصل 18 فانه يجد تبريره في طبيعة القرار بصفته قرارا اداريا قابلا للطعن بدعوى تجاوز السلطة هذا فضلا على ان كل قرارات التي تشترط تعليلا ليست قابلة للطعن... مثل قرار توقيف التنفيذ الصادر عن رئيس المحكمة الإدارية او قرار التمديد في اجال الاحتفاظ او قرار رئيس المحكمة العقارية في مادة التحيين. فالتعليل ليس في مطلق الاحوال يجعل القرار قابلا للطعن.. اما بالنسبة للتمديد كاستثناء فهو لا يعني في فهمنا التضييق في شروط التمديد بل في مدته فقط لذلك تم التنصيص على انه يكون مرة واحدة . 
أخيرا إن التأويل يكون في غير الواضح من النصوص من حيث العبارات المستعملة . اما اذا كان الامر لا يستدعي أي تأويل لعدم الحاجة اليه بالنظر الى وضوح الالفاظ وارادة المشرع من ورائها فان اية محاولة لليّ عنق اللفظ وما تمحض له من مدلول لم يعد تأويلا لا ضيقا ولا واسعا بل يدخل في خانة التقول على النص والتزيد عليه بما لا يستجيب لمنطوقه الصريح بل لإرادة المتكلم لا اكثر ولا أقل سواء استجاب النص لتلكم الإرادة او لم يستجب . 
نشر بجريدة الصباح بتاريخ 1 أفريل 2018

 

 للمشاركة في الدورات التكوينية :

 

الدورة التكوينية التاريخ الرابط
دور الخبير المحاسب في التدقيق في سلامة المنظومة المعلوماتية 07 أفريل 2018 هنا
التصرف القضائي: الاشكاليات التطبيقية يومي 06 و 07 أفريل 2018 هنا
اليات تحيين الرسوم العقارية يومي الجمعة 13 والسبت 14أفريل 2018 هنا
قانون تأمين المسؤولية المدنية عن حوادث المرور 20 و 21 أفريل 2018 هنا
Compétences relationnelles : le savoir et le savoir-être au service du savoir- faire le 27 - 28 avril 2018 هنا
المالية الإسلامية : المبادئ وأهم العقود والتطبيقات يومي الجمعة 29 والسبت 30 جوان 2018 هنا
الأنقليزية القانونية(دورة أكتوبر 2018) بداية من 25 سبتمبر الى 28 أكتوبر 2018 هنا

 

 
 

 

 

 
إقرأ المزيد...
02 نيسان/أبريل 2018 كٌن أول من يعلق!

من المفروض ان تنتهي عُهدة هيئة الحقيقة والكرامة بمصالحة وطنية بين التونسيين جميعا ضحايا وجلادين مواطنين ومؤسسات الدولة  ولكن هذا لم يتم إلى حد الآن بسبب تعنّت المذنبين في الاعتراف بما اقترفوه واعتذارهم للضحايا الذين يقبلون في الغالب ذلك الاعتذار بل وينتظرونه ويعتبرون أنّ الاعتراف بما تعرّضوا له من ظلم وقهر وانتهاكات في السابق كافيا ومنصفا لهم
ومن المفروض من جهة أخرى أن تنتهي آخر جلسة استماع عمومية باعتراف الجلاد بما نسب اليه وبمشاهد مؤثرة تختلط فيها مشاعر الندم مع ما يصاحبها من التخلص بالشعور بالذنب وكذلك التخلص من الشعور بالقهر بالنسبة للضحية وتتعانق فيها الابتسامات وكلمات التسامح والتصالح والتعهد بعدم التكرار
ومن المفروض أن تتحمل الدولة مسؤوليتها وتتعهد بجبر الضرر للضحايا ابتداء بالاعتذار الرسمي على لسان رئيس الجمهورية إلى كل التونسيين على ما لاقوه زمن الاستبداد والتعهد بعدم تكرار ما حدث أبدا والتعهد بعدم اهدار كرامة التونسيات والتونسيين مستقبلا وانتهاء بالتعويضات المادية والرمزية
وفي بعض الأحيان تحال ملفات معينة الى القضاء المختص ليصدر حكمه فيها نظرا لرمزيتها أو لفضاعتها او لكونها أحدثت أثرا بالغا في المجتمع
من المفروض أن يلعب مسار العدالة الانتقالية دورا تاريخيا هاما بوضع الأحداث في سياقها الزمني والسياسي والاجتماعي وحتّى الدولي وتُفتح الملفات الحارقة التي ظلت طيّ الكتمان (اتفاقيات الاستقلال نموذجا) ويتمّ تحميل المسؤوليات لأجهزة الدولة أو للأنظمة السياسية التي حكمت البلاد أو للأحزاب أو للمجموعات المنظمة أو للأفراد الذين تصرّفوا باسم الدولة أو تحت حمايتها حتى تتخلص الذاكرة الوطنية من الرؤية الأحادية ويتحرر الشعب من كوابيس الماضي وينطلق في بناء مستقبله بعيدا عن أحقاد وآلام وعذابات الماضي 
من المفروض أن ينتهي المسار بأن تُغلق جميع الملفات الى الأبد إلاّ ما استقر عليه الرأي بإحالته الى الدوائر القضائية المتخصّصة نظرا لحجم الفظاعات التي تمّ ارتكابها ضد الإنسانية..
لقد نجحت هيئة الحقيقة والكرامة في تلقي الشكاوى وفي الاستماع للضحايا وفي عقد الجلسات العلنية كشفا لحقيقة الانتهاكات التي حدثت في الماضي وبحثا عن المختفين قسريّا إلى اليوم وفي اعداد برنامج شامل لجبر الضرر للضحايا وفي التقصي والتحقيق في الاعتداءات الجسيمة على حقوق الانسان وفي الإحالة على الدوائر القضائية المتخصّصة وبالأخص في حفظ الذاكرة الوطنية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان باعتماد نظام أرشيفي في عمل الهيئة يضمن سلامة الوثائق والمعلومات والمعطيات ومقروئيتها وحفظها لأمد طويل وإتاحتها واستغلالها وكذلك بإعداد التوصيات اللازمة لتخليد ذكرى الضحايا واستخلاص العبر وإصلاح المؤسسات..
نجحت الهيئة في أن تكون قدر ما استطاعت محايدة ومتجرّدة من كل النوازع وأدارت أعمالها بمنهجيّة واقتدار لا يتوفّر في الحكومات المتعاقبة منذ انتخاب الهيئة إلى اليوم رغم تسييس مسار العدالة الانتقالية منذ البداية ورغم تضخيم الخلافات الداخلية ورغم الصخب اليومي الذي يدور حول أعمال الهيئة والتجاذب السياسي الحاد ورغم الاستهداف الإعلامي وتظليل الرأي العام الممنهج والتحريض المستمر والتشويه المتتالي لرئيستها وأعضائها..
في حين أنّ أعمالها كان من المفروض أن تتمّ في أجواء هادئة تضفي عليها نوعا من السكينة والقداسة باعتبار أنّها تتناول عذابات الضحايا ومعاناتهم وتبحث في أكثر الأعمال البشرية إهدارا للكرامة الانسانية
في مقابل نجاح الهيئة فشل رئيس الجمهورية في أن يكون رئيسا لكل التونسيين وفشل في أن يكون متعاليا عن الانتقام حين سحب جوازات سفر أعضائها وفشل حين تجاهلها ولم يستقبل أعضاءها ولو لبعض الدقائق وفشل في أن يكون ديمقراطيا حين غلّب رأيه وقدّم مبادرة تشريعية للمصالحة مع الفاسدين دون مقابل وفشل في احترام القسم الذي أدّاه حين لم يضمن احترام دستور الجمهورية وتشريعها رغم طلبنا له بالتدخل ومخاطبة مجلس نواب الشعب الذي قامت أغلبية غامضة داخله بدورها في عدم الالتزام بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية
وفي مقابل نجاح الهيئة فشل رئيس مجلس نواب الشعب في احترام الدستور وفشل في احترام التشريع المتعلق بالعدالة الانتقالية وفشل حتّى في تطبيق النظام الداخلي للمجلس فتدخلت اللجان في عمل الهيئة وحاولت تنصيب نفسها رقيبا على أعمالها وامتنع مكتب المجلس عن اقرار سد الشغور لمدّة ثلاث سنوات ورفض الاعتراف بقرار سيادي للهيئة يتعلق بالتمديد 
وفي مقابل تحلي أعضاء الهيئة المنتخبين ورئيستها بالرفعة والمسؤولية أثناء نقاش قرار ليس من حقهم مناقشته قام بعض النواب بكيل التهم وهتك أعراض الأعضاء والتنكيل بهم في المجلس وأمام وسائل الاعلام بطرق وضيعة ودنيئة كشفت عن مستواهم الهابط وحجم الحقد والأنانية والبغضاء 
وفي مقابل نجاح الهيئة في تطبيق القانون الذي سنّه المشرّع فشلت الحكومات المتعاقبة في تنفيذ التزاماتها مع الهيئة وعملت بعض الوزارات والمؤسسات ما في وسعها من أجل تعطيل أعمالها وخاضت ضدّها معارك بالوكالة حتّى لا تصل إلى كشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا وحفظ الذاكرة وابرام اتفاقيات تحكيم ومصالحة وفوّتت على خزينة الدولة وعلى الشعب التونسي مئات المليارات 
لنترك ما حدث جانبا ولنبلّغ رسالتنا إلى الشعب التونسي: سيستكمل المسار مهامّه بجبر ضرر الضحايا وحفظ الذاكرة وتحقيق المصالحة الوطنية وستطوى صفحة الماضي إلى الأبد من أجل مستقبل مشرق لكل التونسيات والتونسيين..

 للمشاركة في الدورات التكوينية :

 

الدورة التكوينية التاريخ الرابط
دور الخبير المحاسب في التدقيق في سلامة المنظومة المعلوماتية 07 أفريل 2018 هنا
التصرف القضائي: الاشكاليات التطبيقية يومي 06 و 07 أفريل 2018 هنا
اليات تحيين الرسوم العقارية يومي الجمعة 13 والسبت 14أفريل 2018 هنا
قانون تأمين المسؤولية المدنية عن حوادث المرور 20 و 21 أفريل 2018 هنا
Compétences relationnelles : le savoir et le savoir-être au service du savoir- faire le 27 - 28 avril 2018 هنا
المالية الإسلامية : المبادئ وأهم العقود والتطبيقات يومي الجمعة 29 والسبت 30 جوان 2018 هنا
الأنقليزية القانونية(دورة أكتوبر 2018) بداية من 25 سبتمبر الى 28 أكتوبر 2018 هنا

 

 
 

 

 

 
إقرأ المزيد...
02 نيسان/أبريل 2018 كٌن أول من يعلق!

تعتبرالإرادة السياسية ممثلة في السلطتين التنفيذية والتشريعية من الشروط الجوهرية لتحقيق العدالة الانتقالية وذلك بالنظر الى أنّ القوانين والتدابير والإجراءات لا يمكن تفعيلها وضمان تنفيذها خارج الإرادة السياسية التي تبقى المحرك الرئيسي لمسار العدالة الانتقالية.
وفضلا عن ذلك فان علوية القانون - بمعنى الخضوع لأحكامه سواء من قبل الحكومة أو موظفيها - وكذلك استقلال القضاء - لدوره في ضمان معايير المحاكمة العادلة - يعتبران من الشروط المطلوبة في هذا السياق لتطبيق منظومة العدالة الانتقالية .
وقد ظهر في الازمة الاخيرة - التي لازالت تطوق هيئة الحقيقة والكرامة - ان من اهم المعوقات التي تحد من فاعلية العدالة الانتقالية هوغياب الارادة السياسية - في هذا المجال - لدى عدد من ممثلي السلطة التشريعية (ان لم يكن الامر متعلقا بعداوة راسخة لدى بعض النواب!) .
ولايخفى ان ازمة التمديد في اعمال الهيئة - التي افتعلها تحالف الاحزاب التي لا تنكرارتباطها بالتجمع المنحل! - لم تكن الا ذريعة "للانقلاب "على المسار باكمله والحيلولة دون استكمال اعمال الهيئة وصياغة توصياتها .
ويمكن ان نتبين ان غالبية الفاعلين في تلك الازمة البرلمانية قد ارتبطوا - اما فكرا واما ممارسة - بالنظام القديم (هذا ان لم يكن بعضهم من المنتمين سابقا للتجمع والداعمين له).
ولعل الدور الذي لعبه السيد محمد الناصررئيس مجلس نواب الشعب في هذه الازمة يبرز- لا فقط غياب الارادة في دفع مسار العدالة الانتقالية - بل يكشف تحاملا غير مبرر وتجردا عن الحياد والموضوعية في شان مصيري وخطير .
ويجب التاكيد في هذا الخصوص على الحماية الضرورية لمسار العدالة الانتقالية التي اقرها الدستوروما يقتضيه من ان الدولة تلتزم بتطبيق منظومة العدالة الانتقالية (الفصل 148).
وفي ضوء ما قدمناه يرد التساؤل الاساسي هل اوفت الدولة بما التزمت به ام "اخلف" ممثلوها عهدا قطعه الدستورعلى نفسه !؟
لاشك ان ممثلي الدولة قد اظهروا – مع البداية الفعلية لمسار العدالة الانتقالية سنة 2014 – "اهتماما" يتراوح بين التخلي والعدائية والتجاهل! فضلا عن تاجيج الصراعات الداخلية لهيئة الحقيقة والكرامة التي ساهمت في اضعافها ، من ذلك :
+ ان رئيس الدولة (السيد الباجي قائد السبسي) قد اطلق - حتى قبل انتخابه - تصريحات حادة ضد مسار العدالة الانتقالية وتعهد بحل هيئة الحقيقة والكرامة بدعوى انها تؤسس لمنطق الانتقام والتشفي.
وبعد توليه تم منع الهيئة من قبل نقابة الامن الرئاسي من دخول قصر قرطاج ونقل الارشيف الخاص بالرئاسة.
كما قاطع الرئيس الحالي جميع الجلسات العلنية التي نظمتها تلك الهيئة ولم يسبق له ان كلف من ينوبه لحضورتظاهراتها .
كما لم يشرف على اي نشاط يرتبط بذلك،وهو يعتبرمسار العدالة الانتقالية مسيسا ومناقضا لتوجهاته ويساهم في تقسيم التونسيين .
وقد سعى الى اقرار آليات موازية للمسار الذي تبناه القانون الاساسي المتعلق بارساء العدالة وتنظيمها.وقد اقترح لهذا الغرض مشروعا للمصالحة الاقتصادية اعتبره قطاع كبير مدخلا لتبييض الفساد و ضرب العدالة الانتقالية. وقد كان اصرار رئيس الجمهورية على مشروع المصالحة - رغم المعارضة الواسعة - وراء المصادقة على قانون المصالحة في المجال الاداري .
+ ان رئيسي الحكومتين المتعاقبتين - السيدان الحبيب الصيد و يوسف الشاهد - قد امتنعا من جهتهما عن حضور الجلسات العلنية لهيئة الحقيقة والكرامة وتظاهراتها .
كما اصطدمت الهيئة بصعوبات كبيرة عند طلبها النفاذ الى الارشيف المحفوظ ببعض الوزارات (كوزارة الداخلية) اوبعدد من المؤسسات العمومية الراجعة بالنظر الى المصالح الحكومية فضلا عن العراقيل وعدم التعاون من قبل بعض مصالح الدولة والهيئات العمومية ( كالمكلف العام بنزاعات الدولة والارشيف الوطني).
+ كما ان وزراء العدل في حكومات النداء لم يتحمسوا لارساء الدوائر المتخصصة للعدالة الانتقالية (بالمحكمة الابتدائية المنتصبة بمقار محاكم الاستئناف) التي بقيت الى الان حبرا على ورق بل لم يساهموا باي وجه في تكوين القضاة الملحقين بتلك الدوائر. واضافة لذلك فان بعض الهيئات القضائية (كالقطب القضائي المالي و المحكمة العسكرية ) لم تظهر استعدادها للتعاون مع هيئة الحقيقة والكرامة بشان بعض الملفات المنظورة لديها.
فهل كان على الهيئة ان تشكو تقصيرالدولة ونكران ممثليها وان تتحمل فوق ذلك ضغوط الضحايا ووقاحة الجلادين؟!

 للمشاركة في الدورات التكوينية :

 

الدورة التكوينية التاريخ الرابط
دور الخبير المحاسب في التدقيق في سلامة المنظومة المعلوماتية 07 أفريل 2018 هنا
التصرف القضائي: الاشكاليات التطبيقية يومي 06 و 07 أفريل 2018 هنا
اليات تحيين الرسوم العقارية يومي الجمعة 13 والسبت 14أفريل 2018 هنا
قانون تأمين المسؤولية المدنية عن حوادث المرور 20 و 21 أفريل 2018 هنا
Compétences relationnelles : le savoir et le savoir-être au service du savoir- faire le 27 - 28 avril 2018 هنا
المالية الإسلامية : المبادئ وأهم العقود والتطبيقات يومي الجمعة 29 والسبت 30 جوان 2018 هنا
الأنقليزية القانونية(دورة أكتوبر 2018) بداية من 25 سبتمبر الى 28 أكتوبر 2018 هنا

 

 
 

 

 

 
إقرأ المزيد...
29 آذار/مارس 2018 كٌن أول من يعلق!

هل بدات تبرزحقيقة بوادر الانفصال - من جانب حركة النهضة - عن المسار السابق للعدالة الانتقالية ؟ وبصراحة مباشرة ،هل شرعت حركة النهضة - بعد تلك الجلسة الصاخبة ليوم 26 مارس - في التخلي عن دعمها لهيئة الحقيقة والكرامة بتركيبتها الحالية وعلى راسها السيدة سهام بن سدرين ؟
وباكثر دقة ،هل فعلا تجنبت حركة النهضة الانخراط في "الانقلاب "على الهيئة ورئيستها الى حين الانتهاء من جلسة عدم التمديد المشهودة ؟
الم يتساءل الكثير - حتى من المتعاطفين او القريبين من حركة النهضة - عن دواعي امتناعها من المشاركة في التصويت ؟ الم تفسح المجال - بموقفها ذاك - لنداء تونس (44 نائبا) وبقية الكتل النيابية المعادية (اساسا حركة مشروع تونس ) للانفراد بالهيئة ورئيستها والاجهاز عليهما؟
الم يكن واضحا ان حركة النهضة – التي ظهرت منذ بداية الازمة كمدافع شرس على استمرار الهيئة – كانت تضمر التخلي فعليا عن مرحلة الدعم السابقة كنتيجة طبيعية لمصادقتها منذ اشهر على قانون المصالحة (13 سبتمبر2017) ؟ 
الا تشير القرائن المتضافرة الى ان الحركة قد تركت رئيسة الهيئة ومن معها لمصيرهما المحتوم ؟
وجوابا على هذه التساؤلات يمكن القول ان الحقيقة بهذا الشان تبدو سابقة لاوانها فضلا عن ان ذلك قد يناقض بعض المواقف المعلنة لنواب حركة النهضة وتصريحات قيادتها وان القول بعكس ذلك هو في الاخير محاكمة (غير منصفة) للنوايا ! .
لكن يظهر ان مرور يومين فقط (بل اقل من ذلك ) على تلك الجلسة المشهودة كانا كافيين لادخال الحيرة والارتياب على ذلك الوثوق المفترض في المواقف والتصريحات، من ذلك:
1- ما ورد في هذا السياق على لسان السيد نوفل الجمالي رئيس لجنة الحقوق والحريات بمجلس نواب الشعب وعضو المكتب السياسي لحركة النهضة في حوار منشور بجريدة الصباح بتاريخ يوم الاربعاء 28 مارس الجاري وخصوصا قوله ان موقف حركة النهضة من هيئة الحقيقة والكرامة "ينبني على قراءة واضحة للقانون وهو اصطفاف مع مسار العدالة الانتقالية وليس مع شخص رئيسة الهيئة ويجب هنا ان نفصل بين رئيسة الهيئة وبين المسارويخطئ من يختزل كل مسار العدالة الانتقالية في شخص سهام بن سدرين "مع التاكيد ان نواب حركة النهضة "في تواصل مع الزملاء في نداء تونس ولن يتضرر التوافق بمجرد اختلاف في وجهات النظر حتى ولو كان الموضوع مهما وحساسا ودقيقا كالعدالة الانتقالية فلا اعتقد ان هذا الموضوع سيكون سببا لتصدع سياسة التوافق بين حركتي النهضة و النداء".
2- ما اكده بيان المكتب التنفيذي لحركة النهضة الصادر يوم الاربعاء 28 مارس الجاري بشان تداعيات الجلسة الأخيرة لمجلس نواب الشعب وخصوصا " اعتبار العدالة الانتقالية استحقاقًا وطنيًّا متعدّد المسارات يجب توفير شروط استكماله وإنجاحه بقطع النظرعن من يديرهذا الملف" مع تسجيل "حاجة البلاد لكل أبنائها وبناتها والى المحافظة على روح الحوار والتوافق من أجل معالجة جميع القضايا محل الاختلاف...الخ" .
ولعل ما يلفت الانتباه هو اكتفاء البيان باستنكارالمكتب التنفيذي "للأجواء التي دارت فيها الجلسة العامة حول العدالة الانتقالية والتي اتسمت باخلالات اجرائية ونقص في الترتيب والتحضير.."دون التعبيرعن رفض حركة النهضة لنتائج تلك الجلسة او عزمها اتخاذ اجراءات عملية لابطال مفعولها.
3- ما صرح به عضو هيئة الحقيقة والكرامة السيد علي غراب في الندوة الصحفية التي دعت لها الهيئة بتاريخ 28 مارس الجاري وذلك بقوله "انّ الصعوبات التي تمر بها الهيئة لا تتعلق فقط بما يحدث خارجها بل تتعلّق بما يحصل داخلها" مضيفا "ان رئيسة الهيئة سهام بن سدرين لا تفسح المجال للأعضاء لإتخاذ القرار معها بصفة تشاركية".(موزاييك اف.ام -28 مارس 2018).
وقد سبق لهذا العضو(المنشق!) مع ثلاثة اخرين من مجلس الهيئة (علا بن نجمة وصلاح الدين راشد وابتهال عبد اللطيف) الهجوم على رئيسة الهيئة والتهديد بمقاضاتها في بيان صادر عنهم في 9 سبتمبر2017(وكالة تونس افريقيا للانباء في نفس التاريخ ).
ومن الملاحظ ان الاعضاء الاربعة المذكورين يعدون – حسب بعض المصادر – من ضمن الشق القريب من حركة النهضة .
ويبدو من هذه المواقف ان التركيز على مسؤولية السيدة سهام بن سدرين والتاكيد- خصوصا في هذه المرحلة – على الفصل بين مسار العدالة الانتقالية ورئيسة الهيئة وحتى الهيئة نفسها (وهو معنى يتداوله خصومها) فضلا عن تكرار ان "المسار لا يختزل في شخص سهام بن سدرين " يشير – بصفة واضحة - الى ان حركة النهضة ربما تتخلى عن تمسكها برفض نتائج الجلسة العامة المنعقدة في 26 مارس الجاري وبحث خيارات اخرى في نطاق التوافق مع حركة نداء تونس ودعم الاستقرار السياسي فيما يعتبر مواصلة لمسار المصالحة مع رموز النظام السابق 
ولعل ما ورد في بيان حركة النهضة الاخير يعد اكثر افصاحا عن توجهها الذي يتضمن في المرحلة القادمة :
+ المحافظة على مسار العدالة الانتقالية لكن في اتجاهات متعددة وهو ما اشير اليه بالقول ان "العدالة الانتقالية هي استحقاق وطني متعدّد المسارات".
+استكمال مسار العدالة الانتقالية وضمان نجاحه وهو ما يدفع في اتجاه التواؤم مع طبيعة المرحلة والمرور الى ما يروج من مفهوم خاص للوحدة الوطنية و السلم الاجتماعية والاستقرار السياسي بمعزل عن الشروط الحقيقية للعدالة الانتقالية (كشف الحقيقة – المحاسبة – جبر الضرر ..)
+ انجاح المساربقطع النظر عن من يدير ملف العدالة الانتقالية وهو ما يقتضي في هذا السياق التباعد عن هيئة الحقيقة والكرامة في تركيبتها الشرعية والتخلي (ولو في نهاية المسار)عن رئيسة الهيئة الحقيقة والكرامة والانضمام الى موقف الرافضين للتمديد في عملها 
+ التمسك رغم كل ذلك بنهج التوافق مع حركة نداء تونس التي عبرت عن التزامها مع كتل نيابية اخرى بتقدبم تصور جديد لمسار العدالة الانتقالية .
ورغما عن ذلك هل يمكن ان تكذب الحركة نفسها وان "تصطدم" توقعاتنا باصرارحركة النهضة على حماية المسار من الانقلابات والانتصار للقانون والقطع مع ممارسات الماضي!؟

 

 للمشاركة في الدورات التكوينية :

 

الدورة التكوينية التاريخ الرابط
الأنقليزية القانونية بداية من 16 فيفري الى 24 مارس 2018 هنا
المالية الاسلامية يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا
دور الخبير المحاسب في التدقيق في سلامة المنظومة المعلوماتية 07 أفريل 2018 هنا
اليات تحيين الرسوم العقارية يومي الجمعة 13 والسبت 14أفريل 2018 هنا
قانون تأمين المسؤولية المدنية عن حوادث المرور 20 و 21 أفريل 2018 هنا
التصرف القضائي: الاشكاليات التطبيقية يومي 06 و 07 أفريل 2018 هنا
الأنقليزية القانونية(دورة أكتوبر 2018) بداية من 25 سبتمبر الى 28 أكتوبر 2018 هنا
نظم مكافحة الفساد حسب المعيار الدولي أيزو 37001 يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا

 

 
 

 

 

 
إقرأ المزيد...
28 آذار/مارس 2018 كٌن أول من يعلق!

رغم ان المشير عبد الفتاح السيسي قد قرر منذ 26 مارس 2014 الاستقالة من الجيش ومن منصبه كوزير للدفاع والترشح للرئاسة فان ذلك لا يعني ان الجيش قد استقال من السياسة او ان السيسي سيتحول الى رئيس مدني .ومن الواضح ان تجديد ترشحه لولاية ثانية (2018- 2022)هو تاكيد لقبضة الجيش على الرئاسة !.
والذي ظهر من تاريخ الحكم الحديث في مصر ان السلالة العسكرية قد حافظت على وجودها وتجانسها طيلة 60 سنة وتعاقب عليها اربعة رؤساء من العسكريين (محمد نجيب - جمال عبد الناصر - انور السادات - حسني مبارك ) ولم يكدر عراقة تلك السلالة الا انتخاب رئيس مدني (محمد مرسي ) اطاح به العسكري الخامس بعد سنة فقط وهو على ابواب ان يتولى رئاسة البلاد لولاية ثانية بعد معاقبة الرئيس الشرعي عن ترشحه و انتخابه وطموحه ان يكون اول رئيس مدني يقطع مع  السلالة العسكرية !!!

 للمشاركة في الدورات التكوينية :

 

الدورة التكوينية التاريخ الرابط
الأنقليزية القانونية بداية من 16 فيفري الى 24 مارس 2018 هنا
المالية الاسلامية يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا
دور الخبير المحاسب في التدقيق في سلامة المنظومة المعلوماتية 07 أفريل 2018 هنا
اليات تحيين الرسوم العقارية يومي الجمعة 13 والسبت 14أفريل 2018 هنا
قانون تأمين المسؤولية المدنية عن حوادث المرور 20 و 21 أفريل 2018 هنا
التصرف القضائي: الاشكاليات التطبيقية يومي 06 و 07 أفريل 2018 هنا
الأنقليزية القانونية(دورة أكتوبر 2018) بداية من 25 سبتمبر الى 28 أكتوبر 2018 هنا
نظم مكافحة الفساد حسب المعيار الدولي أيزو 37001 يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا

 

 
 

 

 

 
إقرأ المزيد...
28 آذار/مارس 2018 كٌن أول من يعلق!

1- تقديم

أواصل نشرالجدل الذي جمعني مع بعض الاساتذة الجامعيين من رجال القانون في سنة 2013 ابان كتابة الدستور الجديد حول مجانية التعليم.. فبعد نشر ردي على الاستاذ الصادق بلعيد المنشور بجريدة المغرب في 15 جوان 2013 أنشر ردي على تلميذ الاستاذ وهو الجامعي وليد العربي الذي يحاكي فكر استاذه ويدافع عنه دون اية معرفة او دراية بالتشريعات المعمول بها في تونس في هذا المجال ..في النص انتصار لدولة الاستقلال التي منحتني انا وامثالي من أبناء العمال فرصة التدرج في دراستنا حتى الوصول الى ما وصلنا اليه ... يجد القارئ في هذه الورقة جمعا للنصوص القانونية ذات الصلة منذ اصلاح 1958 المرتبط بالاديب محمود المسعدي الى حدود الالفية الثانية 
مع العلم ان جريدة المغرب امتنعت عن نشر ردي هذا ولذلك انشره لاول مرة تعميما للفائدة ولمن يهمه الاطلاع على كل خصب المادة القانونية في هذا المجال .

2- الحق له قيمة والمطالبة به ممكنة

كتب الأستاذ وليد العربي مقالا في جريدة المغرب يوم الاربعاء 19 جوان بعنوان " لا قيمة لحق لا يمكن المطالبة به " نحسب ان مقاله جاء للرد على مقالنا المنشور بنفس الجريدة بعنوان " في ضرورة دسترة مجانية التعليم " وكان مقالنا هو نفسه رد ا على مقال سابق للأستاذ الصادق بلعيد في نفس الموضوع المتعلق بمجانية التعليم نقول ذلك لكثير من الدلائل النصية التي تشير الى ان المقال هو فعلا موضوع رد على مقالنا . ومهما يكن من امر فنحن اخترنا ان نحاوره صراحة احتراما له وتثمينا للجهد الظاهر في مقاله . 
وسنتعرض في مقالنا هذا إلى مسالة أولى تتعلق بالآثار القانونية لما يضمنه الدستور من مبادئ ومنها مبدأ مجانية التعليم والى مسالة ثانية مرتبطة بامكانية اثقال مبدا المجانية لكاهل الدولة . وهما أمران جاءا في حديث الأستاذ .

1)الآثار القانونية للمبدأ الدستوري المتعلق بمجانية التعليم

أ) المبدأ الدستوري محصن لا تخرج التشريعات على مقتضاه

قبل النظر في الصعوبة التي يتحدث عنه الأستاذ في إلزام الدولة بمبدأ المجانية في حال عدم إصدار السلطة التشريعية للقوانين الضرورية في هذا الاتجاه . نريد أن نؤكد على معطى أولي وأساسي وهو إن الإقرار الدستوري بأي مبدأ من المبادئ يحصنه من أي تعديل وهو ما يمثل حصانة ذات اثر على بقية التشريعات
فمن المعروف أن الدساتير تتضمن عادة المبادئ التي لا يجوز للسلطة التشريعية ولا التنفيذية وهما بصدد استعمال حقهما في التشريع او في اتخاذ تدابير ادارية ان تخرجا على مقتضاها، والمبدا الذي يهمنا هنا بطبيعة الحال ، مجانية التعليم
ان هذا المبدأ حال إقراره دستوريا يمنع المشرع عند مباشرته لاي قانون من أية سلطة تقديرية في هذا الباب ، فإذا ضمن الدستور حق الجميع في التعليم المجاني وأقدم مجلس النواب او مجلس الشعب او أي سلطة تشريعية من سن أي قانون يجيز مثلا توظيف رسومات على الدروس المقدمة من أية مؤسسة تربوية عمومية فان هذا القانون سيكون لا دستوريا كما انه يمنع السلطة التنفذية من اتخاذ أي تدابير في هذا الاتجاه واذا حصل ذلك فانهما في هذه الحالة يكونان قد شرعا في موضوع لا يملكان التشريع فيه لان الدستور حظره عليهما ،كذلك الأمر عندما يقرر الدستور مبدأ مساواة الموطنين جميعا في الحق في التعليم فان مجلس النواب او مجلس الشعب لا يملك إن يسن تشريعا يخل بقاعدة المساواة وتكافؤ الفرص ،كأن يمنح فئة من المجتمع او ابناء فئة معينة ميزة معينة تميزهم عن غيرهم، فإذا صدر مثل ذلك التشريع فانه يعتبر غير دستوري لان موضوع التشريع خالف قاعدة دستورية أصلية هي مبدأ تكافؤ الفرص ومبدأ المساواة بين المواطنين بل اكثر من ذلك لانه في حال اقرار الدستور لمبدا المجانية فانه يتعين انسجاما مع هذا المبدا ان يرتب القانون عقوبة في حال مخالفة هذا المبدا ومع العلم أيضا إن الفصل 117 من مشروع الدستور وفي القسم الثاني المتعلق بالمحكمة الدستورية يتص على ان هذه المحكمة تختص بمراقبة كل مشاريع القوانين المعروضة عليها سواء من قبل رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس النواب كما ان اجراءات تعديل الدستور تخضع هي نفسها لمراقبة المحكمة وهي ما يعني قيمة أي ضمان مدرج بالدستور بالنظر إلى الحصانة الممنوحة إليه بالنتيجة .

ب )التشريعات قائمة فأي معنى للمطالبة بها ؟

يقول الأستاذ في مقاله " فتكريس هذه الحقوق من قبل الدستور في شكل التزام بتحقيق نتيجة يتطلب في ما بعد تدخل المشرع لسن قوانين تتضمن إجراءات عملية لتفعيل هذه الحقوق كما يقتضي الأمر تدخل السلطة التنفيذية وخاصة الإدارة لاتخاذ التدابير اللازمة لوضع الإجراءات التشريعية موضع التنفيذ ولكن في صورة عدم إصدار السلطة التشريعية القوانين الضرورية في هذا الاتجاه فانه يصعب قانونا الزامها بذلك " فإذا اقتصرنا على مسالة مجانية التعليم وهو موضوع حديثنا هنا فاننا لا ندري اذا كان الأستاذ على علم بترسانة القوانين التونسية المتعلقة بالتعليم او على غير علم بها فاذا كان على علم بذلك فلا نرى ما يبرر المطالبة بما هو موجود فعلا ومنذ بداية الاستقلال اما إذا كان على غير علم بذلك فاننا نذكره بان مبدا مجانية التعليم وان لم يجئ ذكره في دستور 1959 الا انه ظل مبدا مستقرا في القوانين التونسية المتعلقة بالتعليم سواء ما عدل منها او ما كان ساري المفعول إلى اليوم
فمنذ مشروع إصلاح التعليم غداة الاستقلال والذي ارتبط اسمه بالأديب محمود المسعدي والذي أنطلق العمل به مع أكتوبر من سنة 1958 . نجد الاقرار الصريح بمبدا المجانية اذ ينص المشروع في جزئه الأول الحامل لعنوان المبادئ العامة ،و في فصله الثاني إلى أن أبواب التربية والتعليم مفتوحة في وجوه جميع الأطفال ابتداءًا من سن السادسة " . كما يؤكد نفس الفصل على "إجبارية التعليم من السادسة إلى سن الثانية عشر من العمر"وهو ما اكده القانون عدد 118 لسنة 1958.
و القانون عدد 65 المؤرخ في 22 جويلية 1991 المتعلق بالنظام التربوي 
فقد جاء هذا القانون لتطوير النظام التربوي وتحديثه وجعله يتلاءم مع المقتضيات التنموية للبلاد. فتم تنقيح قانون 1958 وإرساء التعليم الأساسي الذي يمتد على تسع سنوات وضبط أهدافا عصرية لمختلف مراحل التعليم (الأساسي، الثانوي والعالي). وكرّس القانون مبدأ إجبارية التعليم بمنع طرد الأطفال من المدرسة دون السادسة عشر من التعليم الأساسي ونصّ على عقوبة في حالة مخالفة هذا المبدأ. كما كرّس مبدأ مجانية التعليم وربطه بالقيم الاجتماعية والحضارية للبلاد.
كما كرس القانون عدد 70 لسنة 1989 و المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي وجميع النصوص المتعلقة والمتممة له وخاصة القانون عدد 67 لسنة 2000المؤرخ في 17 جويلية 2000
الذي ينص في فصله 4 " التعليم العالي مجاني وهومفتوح للمتحصلين على باكالوريا التعليم الثانوي او على شهادة معترف بمعادلتها لها وذلك حسب شروط عامة تضبط بامر وقواعد خاصة داخل كل مؤسسة تضبط بقرار مشترك لوزير التربية والتعليم العالي والبحث العلمي والبحث العلمي والوزير المعني بالامر وفقا للفصل 13 من القانون بعد اخذ راي مجلس الجامعات ويمكن لمؤسسات التعليم العالي والبحث ان تسجل في مسالك تكوين معينة الاشخاص الذين الذين تتوفر فيهم شروط الكفاءة التي تقوم مقام الباكالوريا والتي تتضبط بامر
كما اكد الفصل 7 من القانون التوجيهي المتعلق بالتعليم العالي الصادر في 2008. على مجانية التعليم العالي. ورخص لمؤسسات التعليم العالي والبحث أن توظف على الطلبة رسوم تسجيل ولكن بحسب شروط تضبط بأمر. كما رخص للجامعات ومؤسسات التعليم العالي والبحث تنظيم تكوين خصوصي للراغبين في متابعة دروس تكوين مستمر في إطار اتفاقيات تبرم للغرض. كما اتاح لها تقديم خدمات بمقابل في إطار عقود شراكة مع محيط الإنتاج تتعلق بنقل الخبرة العلمية والتكنولوجية حسب شروط تضبط بأمر أيضا. 
مع العلم ان القوانين المنظمة لجميع مراحل التعليم او غيرها من التشريعات تظل سارية المفعول ما لم تتعارض مع الدستورالذي نامل ان يقع سنه قريبا . فاي إشكال قانوني هذا الذي يتحدث عنه الاستاذ اذن ؟

2 ) مجانية التعليم لم تثقل دولة الاستقلال االفقيرة

يقول الأستاذ في مطلع مقاله " هذا الصنف من الالتزامات( منها مجانية التعليم ) إلى جانب إمكانية إثقاله كاهل الدولة فانه يطرح اشكاليات قانونية يعسر حلها . نترك القسم الثاني من الجملة المتعلق بالاشكال القانوني إذ تبين لنا انه غير موجود اصلا ونتوقف عند القول بان مبدا مجانية التعليم يثقل كاهل الدولة . فما يفهم منه صراحة انه يجوز رفض ادراجه في الدستور القادم اذا اعتقد احدنا مثل الأستاذ الصادق بلعيد مثلا انه يتعارض مع مبدأ الجودة . 
هو قول غريب لا بالنظر إلى أن هذا المبدأ قد كرسته دولة الاستقلال تشريعا وممارسة بل بالنظر إلى ما يدافع عنه صاحب المقال نفسه الذي يقول في آخر ورقته " انه لا معنى للحقوق المدنية والسياسية في غياب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فهي كل مترابط لا يتجزأ " . فعن أي شيء يدافع الأستاذ إذن عن الجودة التي قد تضر بها المجانية مما يتجه معه الى التنبيه الى مخاطرها وبالتالي رفضها باسم جاهزية الدولة لتحقيقها ؟ أم عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومنها مجانية التعليم إذ أن حقوق الإنسان عنده كل مترابط لا يتجزأ؟ لا ادري إلى أي جيل ينتمي الأستاذ إذ ليس لي به سابقة معرفة رغم إننا ننتمي إلى قطاع واحد ولكني أقول له شيئين : أولا أن مجانية التعليم كانت خيارا مجتمعيا على درجة كبيرة من الرقي ولا اعتقد انه يجوز لأحد ان يحرم التونسي من النتائج الرائعة لهذا الخيار
وثانيا اني اعتز بانتمائي إلى جيل الاستقلال والى عائلة عمالية وما اظن انه كان بإمكاني أنا وأبناء جيلي أن نكون ما نحن ألان لولا ان دولة بورقيبة فتحت لنا ابواب المدرسة ووفرت لنا مستلزمات الدراسة بل وفرت لنا الأكل والباس بالمجان أيضا وكلنا يعرف وضع تلك الدولة الفتية الفقيرة قليلة الإمكانات عظيمة الطموح . لقد راهنت دولة الزعيم على التعليم باني الأمم ومشيد الحضارات... في الأخير ان ما يريد التراجع عن مبدأ مجانية التعليم او التشكيك فيه بشكل ظاهر أو متخف يريد أن يقتل روح الأمل في نفوس من لا حلم لهم إلا على مقاعد الدراسة... حلم يتجدد جيلا بعد جيل . 
تونس
22 جوان 2013

 للمشاركة في الدورات التكوينية :

 

الدورة التكوينية التاريخ الرابط
الأنقليزية القانونية بداية من 16 فيفري الى 24 مارس 2018 هنا
المالية الاسلامية يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا
دور الخبير المحاسب في التدقيق في سلامة المنظومة المعلوماتية 07 أفريل 2018 هنا
اليات تحيين الرسوم العقارية يومي الجمعة 13 والسبت 14أفريل 2018 هنا
قانون تأمين المسؤولية المدنية عن حوادث المرور 20 و 21 أفريل 2018 هنا
التصرف القضائي: الاشكاليات التطبيقية يومي 06 و 07 أفريل 2018 هنا
الأنقليزية القانونية(دورة أكتوبر 2018) بداية من 25 سبتمبر الى 28 أكتوبر 2018 هنا
نظم مكافحة الفساد حسب المعيار الدولي أيزو 37001 يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا

 

 
 

 

 

 
إقرأ المزيد...
27 آذار/مارس 2018 كٌن أول من يعلق!

لا شك ان الكثير لم يفهم وهو ينظر الى وجه رئيس المجلس (مجلس نواب الشعب) في ختام جلسة صاخبة وكانه يتهيأ لاقتراف جريمة !.
في سرعة "جنونية " - حتى انه تراءى لي انه فقد السيطرة على نفسه - يدعو النواب الى التصويت ويباغت الجميع ليعلن انتهاء هيئة الحقيقة والكرامة بانتهاء الجلسة ! .
هل يمكن ل65 نائب ان يفعلوا ذلك ؟.هل يدركون انهم يدفعون بالهيئة الى قعر البئر وانهم "يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ"!؟
لقد كان واضحا منذ البداية ان قرار التمديد الصادر عن هيئة الحقيقة والكرامة لم يكن الا ذريعة او حبلا لهؤلاء يطوقون به عنقها !.
كما ظهر ان الاعمال المتلاحقة - التي اعقبت قرار الهيئة - كانت تحضيرا لاقتراف الجريمة : بدءا بقرار مكتب المجلس بان التمديد من صلاحيات النواب ثم عرض القرار على انظار الجلسة العامة وانتهاء باستدراج اعضاء الهيئة واغلبية النواب الى نقاش عقيم ثم فرض تصويت سريع على قرار جاهز !.
ربما يعتقد البعض ان الامر لا يمكن ان ينتهي هكذا بسهولة او ان يتمسك البعض الاخر بان التصويت باطل . لكن اليست هذه دوامة اخرى في وضع منهار يعج بالمشاكل! .

 للمشاركة في الدورات التكوينية :

 

الدورة التكوينية التاريخ الرابط
الأنقليزية القانونية بداية من 16 فيفري الى 24 مارس 2018 هنا
المالية الاسلامية يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا
دور الخبير المحاسب في التدقيق في سلامة المنظومة المعلوماتية 07 أفريل 2018 هنا
اليات تحيين الرسوم العقارية يومي الجمعة 13 والسبت 14أفريل 2018 هنا
قانون تأمين المسؤولية المدنية عن حوادث المرور 20 و 21 أفريل 2018 هنا
التصرف القضائي: الاشكاليات التطبيقية يومي 06 و 07 أفريل 2018 هنا
الأنقليزية القانونية(دورة أكتوبر 2018) بداية من 25 سبتمبر الى 28 أكتوبر 2018 هنا
نظم مكافحة الفساد حسب المعيار الدولي أيزو 37001 يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا

 

 
 

 

 

 
إقرأ المزيد...
26 آذار/مارس 2018 كٌن أول من يعلق!

غدا منذ الفجر وحين تبيضّ الحقول 
سأرحل كما ترين
أعرف أنك في إنتظاري
سأسير عبر الغابة
ساسير عبر الحقول
لا استطيع أن أمكث بعيدا عنك أكثر من هذا
سأرحل وعيناي تحدقان في افكاري
لن ارى شيئا خارجها 
..لن استمع الى أي صوت 
هكذا كانت سعاد قريبة من كلمات فكتور هيغوالشهيرة في رثاء إبنته تستمع في شغف الى أفكارها فلم يكن لها من ثروة ولا من جاه غير الفكر
وهكذا كانت هذه الكلمات ترد د في خاطري وانا في طريقي إلى توديعها الى مثواها الأخير بمدينة قابس حيث قبلت جبينها وطلبت السماح من قامة من قامات البذل والعطاء من اجل قيم الإنسانية والعدالة. وقد صادف نفس يوم وفاة عمي فلم يكن لي من خيار سوى توديع سعاد التي تنتظرني صباحا والعودة وإن متأخرة بعض شيء لحضور جنازة عمي مساء.
وهذه الكلمات المتواضعة التي قلتها بمناسبة اربعنيتها التي أقيمت في21 افريل 2015 بصفتي رئيسة جمعية القضاة التونسيين بكلية الحقوق بسوسة والتي لم يمكني إزدحام الأحداث من نشرها أنشرها في الإبان انشرها اليوم بكل محبة وخشوع على روح سعاد موسى الزكية .
عرفنا سعاد موسى سنة 2011 إثر إنبلاج ثورة الحرية والكرامة إمرأة تتقد حياة وعطاء . فكان اللقاء النضالي داخل جمعية القضاة من أجل المشروع الوطني لاستقلال القضاء بالبعد الأكاديمي للمشروع الدي زاده متانة وعمقا ووضوحا.
كان العمل مع سعاد مند البدايات أي مند المؤتمر العاشر الخارق للعادة لجمعية القضاة التونسيين في أكتوبر 2011 وخلال الندوة العلمية التي انعقدت في إطار المؤتمر يومي 28 و 29 أكتوبر 2011 وانبثقت عنها مشاريع اللوائح الخاصة بالوضع الدستوري للسلطة القضائية المرتقبة والقوانين الأساسية للسلطة القضائية . لقد بذلت سعاد موسى في هذه المناسبة جهدا خلاقا في إدارة النقاشات وتأطيرها انتهاء بانتاج الأفكار الجوهرية للرؤية التأسيسية الجديدة للسلطة القضائية المستقلة الضامنة للتمشي نحو الحرية والديمقراطية .
ثم تواصل جهدها ونضالها إلى جانبنا في مراحل صياغة المشاريع المتكاملة فجسمنا معها ومع اصدقائنا في وحدة البحث في القانون الدستوري والجبائي المغاربي بكلية الحقوق بسوسة التوجه نحو تشكل العقل القضائي المستقل الذي ينتج تصوراته ورؤاه ويوجه الفعل السياسي نحو التأسيس والاصلاح ولا ينتظر المشاريع المسقطة من السلطة التنفيدي ولا يكتفي بالمطالبة السلبية العاجزة .
وضعنا المشروع الأول لقانون الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي وكم احتاج هنا من كلمات لاصف حجم تفاني سعاد معنا في بلورة هذا المشروع فصلا فصلا بل كلمة كلمة خلال ساعات طوال وهبتنا فيها من جهدها وروحها وأعصابها . لقد كانت حاضرة ومستعدة على الدوام للعطاء ومزيد العطاء بلا كلل ولا ملل . قضت معنا أوقات طويلة أيام السبت والآحاد أيام عطلها وراحتها تعمل بتفاني المناضلة المؤمنة بقضية استقلال القضاء برغم بأن المرض الخبيث المخيف قد بدأ يعمل عمله داخل جسمها . عملنا حتى اكتمل المشروع فكان أول مشروع قدم للمجلس الوطني التأسيسي في 20 فيفري 2012 مشروع القضاة الذي سبق مشروع الحكومة وانتهى نضالنا بخصوصه إلى المصادقة على القانون المحدث للهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي عدد 16 لسنة 2013 التي هي اليوم إنجاز نلمسه ونعايشه كأول تجربة في التسيير الداني للقضاء العدلي في إدارة المسارات المهنية للقضاة في كنف الاستقلالية بعيدا عن كل تدخل للسلطة التنفيدية وهي نمودج متفرد في الدول العربية يغبطنا عليه الكثير من أصدقائنا من الحقوقيين والمناضلين من أجل استقلال القضاء في الوطن العربي 
ثم وبمجرد الفراغ من مشروع قانون هيئة القضاء العدلي انطلق عملنا مع سعاد وأصدقائنا من وحدة البحث في بلورة تصور السلطة القضائية في الدستور فكان الرهان الأكبر تصور جديد لسلطة قضائية موحدة للأقضية الثلاث - العدلي والاداري والمالي - يكون فيه المجلس الأعلى للقضاء الإطار المجسد لوحدتها ولهويتها الجديدة المستقلة سلطة حامية للحقوق والحريات فاعلة في البناء الديمقراطي من أجل عدالة بوجه إنساني عدالة في خدمة مجتمعها.
كان عملا ماراطونيا قام على صياغة واقتراح باب متكامل للسلطة القضائية على المجلس الوطني التأسيسي في 2 أوت 2012 كما قام على المواكبة العلمية والاعلامية والنضالية الميدانية لكل مشاريع الدستور وما شهدته في باب السلطة القضائية من مد وجزر طوال سنتي 2012 و 2013 . فكان عطاء سعاد معينا لا ينضب داخل لجنة الصياغة للجمعية وسندا قويا في الدعم الخارجي بالمساعدة في تشبيك علاقات الجمعية بمحيطها الجمعياتي والمؤسسي من داخل المجلس الوطني التأسيسي بممارسة LE lobiing وباستثمار صداقات ثمينة من داخل المجلس من النواب الدين آمنوا بمشروع التأسيس لسلطة قضائية مستقلة ومنهم - النائب الفاضل الاستاد محمد قحبيش- للدفاع على المشروع انتهاء بتكريس أهم مضامينه في القراءة الأخيرة لدستور 27 جانفي 2014 وذلك سواء من حيث الضمانات الأساسية لاستقلال القضاة كمبدا عدم نقلة القاضي بدون رضاه وعدم قابليته للعزل إلا بقرار معلل من المجلس الأعلى للقضاء أو من حيث الضمانات الهيكلية المتعلقة بإرساء المجلس الأعلى للقضاء كهيكل ممثل للسلطة القضائية الموحدة يتمتع بالاستقلال المالي والإداري والتسيير الذاتي ويضمن حسن سير القضاء واحترام استقلاله وباعتبار النيابة العمومية جزءا من القضاء العدلي وليس من السلطة التنفيدية بما يمهد الطريق لاستقلال هدا الجهاز حتى يكون مختصا بتمثيل الدولة وليس الحكومة وبحماية الشرعية والمصلحة العامة وليس المصالح الخاصة .
لقد كانت سعاد مثلما كان يحلو للاستاذ العجمي أن يسميها دينامو مجموعة الاساتذة الجامعيين والقضاة العاملين على مشروع استقلال القضاء وكانت الأم الحاضنة والوفية لذلك المشروع كما تؤكد جمعية القضاة على ذلك هذا البعض من عملها من أجل معركة استقلال القضاء ولكن الأيام لم تسعفها لتواصل هدا الجهد الدي بدأناه معا خاصة وأن المرحلة القادمة تلوح ومند الآن صعبة وربما مريرة. ما افدح الخسارة فيك يا سعاد وما اقسى ما عشته شخصيا وانا اسال عنك وعن احوال صحتك... قابلتها في منزلها منذ عام في سوسة انأ وثلة من النقابيين الجامعيين فهالني ما أصابها . سألناها عن صحتها فقالت لنا "انا متعبة "...لم أكن قلقة عليها فقد عاشت دائما وسط المعارك قلت "هذه معركة أخرى لا شك انها ستنتصر فيها بعزيمتها " تجلى وجه المحنة بعد ذلك وسار الجسم والفكر اللذان لم يتوقفا عن الحركة أبدا إلى صمت لم يكن يعرف سببه إلا عدد قليل من أصدقائها.. لكأن الموت كان يخشاها فلم يأخذها دفعة واحدة بل دب في الجسم أشهرا عديدة ثم إلتهم الروح . ظلت تقاوم في صمت ...لم تحدث أحدا بشيء الا اقرب الناس اليها .. كانت تعاني في صمتها وتعد رفاقها بأنها عائدة وهي تعرف انها لن تنتصر هذه المرة في معركتها الأخيرة مع المصير.. رايتها مرة أخرى أخيرة وهي حية قبل ان اراها على سرير الموت واقبل جبينها ... كانت تستمع إلى أحاديث السياسة حولها وتشارك فيها وكأنها في عنفوان صحتها. حدثتنا عن مشاريعها التي لم تكتمل كما كانت تفعل حين كان الجسد خاليا من الوحش المقيت . كنا نحن وهي نتجنب الحديث في المرض والموت لأننا كنا نخشى أن نضعف فنبكي قبل الأوان ولقد بكيت بعيدا عنها قبل الرحيل... توفيت المناضلة التي لم تستسلم للموت أبدا فقابلته بعزة نفس قلما رأيتها في غيرها...ارتحلت سعاد وقد تركت في العمر القصير الذي كان عمرها رصيدا من النضال من المسؤولية النقابية في المكتب التنفيذي للنقابة العامة للتعليم العالي إلى جمعية المواطنة والحكامة التي كانت من مؤسسيها الى تنيسقية المجتمع المدني بسوسة . بل لعل ما لا يعلمه الكثيرون انها وهي استاذة القانون العام بكلية الحقوق بسوسة كانت صديقة جمعية القضاة وإنها كانت من المهندسين الأصليين لكل مشاريع القوانين التي تقدمت بها الجمعية إلى المجلس التأسيسي كما ذكرت انفا . أمنت سعاد بالحرية وبالثورة كما أمنت بالعمل النقابي فدافعت بشراسة عن نقابة الجامعيين أيام الانقلاب عليها امتلات بقيم استقلال القضاء وبدولة الحقوق والحريات لم تنتظر من أحد لا جزاء ولا شكورا فماتت بعزة نفس منعتها من السؤال وهي تقاوم المرض بما لم يتوفر لها مما يحتاجه المصابون بما اصيبت به من داء من امكانات مادية ثقيلة .خاضت تجرية المعاناة على مدى اربع سنوات وحدها تقريبا عدا اهلها و ثلة قليلة ممن عرفوها وأحبوها فرافقوها أيام المحنة والألم . تركت لنا بعضا من روحها وكثيرا من رباطة جأشها وبهجة روحها في اشد الازمات وعزيمتها وذلاقة لسانها وعمق تحليلها وطيبة نفسها لنواصل بذكراها مسيرتنا على الدرب، وهي هناك ونحن هنا وكأن ما يفصلنا ليس غير غياب قصير تؤوب بعده إلينا...رحمك الله صديقتي التي ما أن عرفتها حتى دعاها الموت إليه ونحن في اشد الحاجة إلى نبض وجدانها وعقلها..... لكان الموت حسدني فيك يا سعاد

 للمشاركة في الدورات التكوينية :

 

الدورة التكوينية التاريخ الرابط
الأنقليزية القانونية بداية من 16 فيفري الى 24 مارس 2018 هنا
المالية الاسلامية يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا
دور الخبير المحاسب في التدقيق في سلامة المنظومة المعلوماتية 07 أفريل 2018 هنا
اليات تحيين الرسوم العقارية يومي الجمعة 13 والسبت 14أفريل 2018 هنا
قانون تأمين المسؤولية المدنية عن حوادث المرور 20 و 21 أفريل 2018 هنا
التصرف القضائي: الاشكاليات التطبيقية يومي 06 و 07 أفريل 2018 هنا
الأنقليزية القانونية(دورة أكتوبر 2018) بداية من 25 سبتمبر الى 28 أكتوبر 2018 هنا
نظم مكافحة الفساد حسب المعيار الدولي أيزو 37001 يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا

 

 
 

 

 

 
إقرأ المزيد...

فيديوهات قضاء نيوز

Loading Player...

تابعونا على الفايسبوك



تابعونا على تويتر

خريطة الموقع

للإتصال بنا

العنوان : 29 شارع المنجي سليم باردو

الهاتف : 224 224 71

الفاكس : 244 224 71

البريد الإلكتروني : marsed.kadha.tn@gmail.com