"معارك" من أجل مجانية التعليم بقلم الأستاذ الجامعي والنقابي عبد السلام الككلي

1- تقديم

أواصل نشرالجدل الذي جمعني مع بعض الاساتذة الجامعيين من رجال القانون في سنة 2013 ابان كتابة الدستور الجديد حول مجانية التعليم.. فبعد نشر ردي على الاستاذ الصادق بلعيد المنشور بجريدة المغرب في 15 جوان 2013 أنشر ردي على تلميذ الاستاذ وهو الجامعي وليد العربي الذي يحاكي فكر استاذه ويدافع عنه دون اية معرفة او دراية بالتشريعات المعمول بها في تونس في هذا المجال ..في النص انتصار لدولة الاستقلال التي منحتني انا وامثالي من أبناء العمال فرصة التدرج في دراستنا حتى الوصول الى ما وصلنا اليه ... يجد القارئ في هذه الورقة جمعا للنصوص القانونية ذات الصلة منذ اصلاح 1958 المرتبط بالاديب محمود المسعدي الى حدود الالفية الثانية 
مع العلم ان جريدة المغرب امتنعت عن نشر ردي هذا ولذلك انشره لاول مرة تعميما للفائدة ولمن يهمه الاطلاع على كل خصب المادة القانونية في هذا المجال .

2- الحق له قيمة والمطالبة به ممكنة

كتب الأستاذ وليد العربي مقالا في جريدة المغرب يوم الاربعاء 19 جوان بعنوان " لا قيمة لحق لا يمكن المطالبة به " نحسب ان مقاله جاء للرد على مقالنا المنشور بنفس الجريدة بعنوان " في ضرورة دسترة مجانية التعليم " وكان مقالنا هو نفسه رد ا على مقال سابق للأستاذ الصادق بلعيد في نفس الموضوع المتعلق بمجانية التعليم نقول ذلك لكثير من الدلائل النصية التي تشير الى ان المقال هو فعلا موضوع رد على مقالنا . ومهما يكن من امر فنحن اخترنا ان نحاوره صراحة احتراما له وتثمينا للجهد الظاهر في مقاله . 
وسنتعرض في مقالنا هذا إلى مسالة أولى تتعلق بالآثار القانونية لما يضمنه الدستور من مبادئ ومنها مبدأ مجانية التعليم والى مسالة ثانية مرتبطة بامكانية اثقال مبدا المجانية لكاهل الدولة . وهما أمران جاءا في حديث الأستاذ .

1)الآثار القانونية للمبدأ الدستوري المتعلق بمجانية التعليم

أ) المبدأ الدستوري محصن لا تخرج التشريعات على مقتضاه

قبل النظر في الصعوبة التي يتحدث عنه الأستاذ في إلزام الدولة بمبدأ المجانية في حال عدم إصدار السلطة التشريعية للقوانين الضرورية في هذا الاتجاه . نريد أن نؤكد على معطى أولي وأساسي وهو إن الإقرار الدستوري بأي مبدأ من المبادئ يحصنه من أي تعديل وهو ما يمثل حصانة ذات اثر على بقية التشريعات
فمن المعروف أن الدساتير تتضمن عادة المبادئ التي لا يجوز للسلطة التشريعية ولا التنفيذية وهما بصدد استعمال حقهما في التشريع او في اتخاذ تدابير ادارية ان تخرجا على مقتضاها، والمبدا الذي يهمنا هنا بطبيعة الحال ، مجانية التعليم
ان هذا المبدأ حال إقراره دستوريا يمنع المشرع عند مباشرته لاي قانون من أية سلطة تقديرية في هذا الباب ، فإذا ضمن الدستور حق الجميع في التعليم المجاني وأقدم مجلس النواب او مجلس الشعب او أي سلطة تشريعية من سن أي قانون يجيز مثلا توظيف رسومات على الدروس المقدمة من أية مؤسسة تربوية عمومية فان هذا القانون سيكون لا دستوريا كما انه يمنع السلطة التنفذية من اتخاذ أي تدابير في هذا الاتجاه واذا حصل ذلك فانهما في هذه الحالة يكونان قد شرعا في موضوع لا يملكان التشريع فيه لان الدستور حظره عليهما ،كذلك الأمر عندما يقرر الدستور مبدأ مساواة الموطنين جميعا في الحق في التعليم فان مجلس النواب او مجلس الشعب لا يملك إن يسن تشريعا يخل بقاعدة المساواة وتكافؤ الفرص ،كأن يمنح فئة من المجتمع او ابناء فئة معينة ميزة معينة تميزهم عن غيرهم، فإذا صدر مثل ذلك التشريع فانه يعتبر غير دستوري لان موضوع التشريع خالف قاعدة دستورية أصلية هي مبدأ تكافؤ الفرص ومبدأ المساواة بين المواطنين بل اكثر من ذلك لانه في حال اقرار الدستور لمبدا المجانية فانه يتعين انسجاما مع هذا المبدا ان يرتب القانون عقوبة في حال مخالفة هذا المبدا ومع العلم أيضا إن الفصل 117 من مشروع الدستور وفي القسم الثاني المتعلق بالمحكمة الدستورية يتص على ان هذه المحكمة تختص بمراقبة كل مشاريع القوانين المعروضة عليها سواء من قبل رئيس الجمهورية أو رئيس مجلس النواب كما ان اجراءات تعديل الدستور تخضع هي نفسها لمراقبة المحكمة وهي ما يعني قيمة أي ضمان مدرج بالدستور بالنظر إلى الحصانة الممنوحة إليه بالنتيجة .

ب )التشريعات قائمة فأي معنى للمطالبة بها ؟

يقول الأستاذ في مقاله " فتكريس هذه الحقوق من قبل الدستور في شكل التزام بتحقيق نتيجة يتطلب في ما بعد تدخل المشرع لسن قوانين تتضمن إجراءات عملية لتفعيل هذه الحقوق كما يقتضي الأمر تدخل السلطة التنفيذية وخاصة الإدارة لاتخاذ التدابير اللازمة لوضع الإجراءات التشريعية موضع التنفيذ ولكن في صورة عدم إصدار السلطة التشريعية القوانين الضرورية في هذا الاتجاه فانه يصعب قانونا الزامها بذلك " فإذا اقتصرنا على مسالة مجانية التعليم وهو موضوع حديثنا هنا فاننا لا ندري اذا كان الأستاذ على علم بترسانة القوانين التونسية المتعلقة بالتعليم او على غير علم بها فاذا كان على علم بذلك فلا نرى ما يبرر المطالبة بما هو موجود فعلا ومنذ بداية الاستقلال اما إذا كان على غير علم بذلك فاننا نذكره بان مبدا مجانية التعليم وان لم يجئ ذكره في دستور 1959 الا انه ظل مبدا مستقرا في القوانين التونسية المتعلقة بالتعليم سواء ما عدل منها او ما كان ساري المفعول إلى اليوم
فمنذ مشروع إصلاح التعليم غداة الاستقلال والذي ارتبط اسمه بالأديب محمود المسعدي والذي أنطلق العمل به مع أكتوبر من سنة 1958 . نجد الاقرار الصريح بمبدا المجانية اذ ينص المشروع في جزئه الأول الحامل لعنوان المبادئ العامة ،و في فصله الثاني إلى أن أبواب التربية والتعليم مفتوحة في وجوه جميع الأطفال ابتداءًا من سن السادسة " . كما يؤكد نفس الفصل على "إجبارية التعليم من السادسة إلى سن الثانية عشر من العمر"وهو ما اكده القانون عدد 118 لسنة 1958.
و القانون عدد 65 المؤرخ في 22 جويلية 1991 المتعلق بالنظام التربوي 
فقد جاء هذا القانون لتطوير النظام التربوي وتحديثه وجعله يتلاءم مع المقتضيات التنموية للبلاد. فتم تنقيح قانون 1958 وإرساء التعليم الأساسي الذي يمتد على تسع سنوات وضبط أهدافا عصرية لمختلف مراحل التعليم (الأساسي، الثانوي والعالي). وكرّس القانون مبدأ إجبارية التعليم بمنع طرد الأطفال من المدرسة دون السادسة عشر من التعليم الأساسي ونصّ على عقوبة في حالة مخالفة هذا المبدأ. كما كرّس مبدأ مجانية التعليم وربطه بالقيم الاجتماعية والحضارية للبلاد.
كما كرس القانون عدد 70 لسنة 1989 و المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي وجميع النصوص المتعلقة والمتممة له وخاصة القانون عدد 67 لسنة 2000المؤرخ في 17 جويلية 2000
الذي ينص في فصله 4 " التعليم العالي مجاني وهومفتوح للمتحصلين على باكالوريا التعليم الثانوي او على شهادة معترف بمعادلتها لها وذلك حسب شروط عامة تضبط بامر وقواعد خاصة داخل كل مؤسسة تضبط بقرار مشترك لوزير التربية والتعليم العالي والبحث العلمي والبحث العلمي والوزير المعني بالامر وفقا للفصل 13 من القانون بعد اخذ راي مجلس الجامعات ويمكن لمؤسسات التعليم العالي والبحث ان تسجل في مسالك تكوين معينة الاشخاص الذين الذين تتوفر فيهم شروط الكفاءة التي تقوم مقام الباكالوريا والتي تتضبط بامر
كما اكد الفصل 7 من القانون التوجيهي المتعلق بالتعليم العالي الصادر في 2008. على مجانية التعليم العالي. ورخص لمؤسسات التعليم العالي والبحث أن توظف على الطلبة رسوم تسجيل ولكن بحسب شروط تضبط بأمر. كما رخص للجامعات ومؤسسات التعليم العالي والبحث تنظيم تكوين خصوصي للراغبين في متابعة دروس تكوين مستمر في إطار اتفاقيات تبرم للغرض. كما اتاح لها تقديم خدمات بمقابل في إطار عقود شراكة مع محيط الإنتاج تتعلق بنقل الخبرة العلمية والتكنولوجية حسب شروط تضبط بأمر أيضا. 
مع العلم ان القوانين المنظمة لجميع مراحل التعليم او غيرها من التشريعات تظل سارية المفعول ما لم تتعارض مع الدستورالذي نامل ان يقع سنه قريبا . فاي إشكال قانوني هذا الذي يتحدث عنه الاستاذ اذن ؟

2 ) مجانية التعليم لم تثقل دولة الاستقلال االفقيرة

يقول الأستاذ في مطلع مقاله " هذا الصنف من الالتزامات( منها مجانية التعليم ) إلى جانب إمكانية إثقاله كاهل الدولة فانه يطرح اشكاليات قانونية يعسر حلها . نترك القسم الثاني من الجملة المتعلق بالاشكال القانوني إذ تبين لنا انه غير موجود اصلا ونتوقف عند القول بان مبدا مجانية التعليم يثقل كاهل الدولة . فما يفهم منه صراحة انه يجوز رفض ادراجه في الدستور القادم اذا اعتقد احدنا مثل الأستاذ الصادق بلعيد مثلا انه يتعارض مع مبدأ الجودة . 
هو قول غريب لا بالنظر إلى أن هذا المبدأ قد كرسته دولة الاستقلال تشريعا وممارسة بل بالنظر إلى ما يدافع عنه صاحب المقال نفسه الذي يقول في آخر ورقته " انه لا معنى للحقوق المدنية والسياسية في غياب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فهي كل مترابط لا يتجزأ " . فعن أي شيء يدافع الأستاذ إذن عن الجودة التي قد تضر بها المجانية مما يتجه معه الى التنبيه الى مخاطرها وبالتالي رفضها باسم جاهزية الدولة لتحقيقها ؟ أم عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومنها مجانية التعليم إذ أن حقوق الإنسان عنده كل مترابط لا يتجزأ؟ لا ادري إلى أي جيل ينتمي الأستاذ إذ ليس لي به سابقة معرفة رغم إننا ننتمي إلى قطاع واحد ولكني أقول له شيئين : أولا أن مجانية التعليم كانت خيارا مجتمعيا على درجة كبيرة من الرقي ولا اعتقد انه يجوز لأحد ان يحرم التونسي من النتائج الرائعة لهذا الخيار
وثانيا اني اعتز بانتمائي إلى جيل الاستقلال والى عائلة عمالية وما اظن انه كان بإمكاني أنا وأبناء جيلي أن نكون ما نحن ألان لولا ان دولة بورقيبة فتحت لنا ابواب المدرسة ووفرت لنا مستلزمات الدراسة بل وفرت لنا الأكل والباس بالمجان أيضا وكلنا يعرف وضع تلك الدولة الفتية الفقيرة قليلة الإمكانات عظيمة الطموح . لقد راهنت دولة الزعيم على التعليم باني الأمم ومشيد الحضارات... في الأخير ان ما يريد التراجع عن مبدأ مجانية التعليم او التشكيك فيه بشكل ظاهر أو متخف يريد أن يقتل روح الأمل في نفوس من لا حلم لهم إلا على مقاعد الدراسة... حلم يتجدد جيلا بعد جيل . 
تونس
22 جوان 2013

 للمشاركة في الدورات التكوينية :

 

الدورة التكوينية التاريخ الرابط
الأنقليزية القانونية بداية من 16 فيفري الى 24 مارس 2018 هنا
المالية الاسلامية يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا
دور الخبير المحاسب في التدقيق في سلامة المنظومة المعلوماتية 07 أفريل 2018 هنا
اليات تحيين الرسوم العقارية يومي الجمعة 13 والسبت 14أفريل 2018 هنا
قانون تأمين المسؤولية المدنية عن حوادث المرور 20 و 21 أفريل 2018 هنا
التصرف القضائي: الاشكاليات التطبيقية يومي 06 و 07 أفريل 2018 هنا
الأنقليزية القانونية(دورة أكتوبر 2018) بداية من 25 سبتمبر الى 28 أكتوبر 2018 هنا
نظم مكافحة الفساد حسب المعيار الدولي أيزو 37001 يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا

 

 
 

 

 

 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأربعاء, 28 آذار/مارس 2018 09:03
  • حجم الخط

فيديوهات قضاء نيوز

Loading Player...

تابعونا على الفايسبوك



تابعونا على تويتر

خريطة الموقع

للإتصال بنا

العنوان : 29 شارع المنجي سليم باردو

الهاتف : 224 224 71

الفاكس : 244 224 71

البريد الإلكتروني : marsed.kadha.tn@gmail.com