في ذكرى رحيل صديقتي المناضلة النقابية والجامعية سعاد موسى بقلم القاضية روضة القرافي الرئيسة السابقة لجمعية القضاة

غدا منذ الفجر وحين تبيضّ الحقول 
سأرحل كما ترين
أعرف أنك في إنتظاري
سأسير عبر الغابة
ساسير عبر الحقول
لا استطيع أن أمكث بعيدا عنك أكثر من هذا
سأرحل وعيناي تحدقان في افكاري
لن ارى شيئا خارجها 
..لن استمع الى أي صوت 
هكذا كانت سعاد قريبة من كلمات فكتور هيغوالشهيرة في رثاء إبنته تستمع في شغف الى أفكارها فلم يكن لها من ثروة ولا من جاه غير الفكر
وهكذا كانت هذه الكلمات ترد د في خاطري وانا في طريقي إلى توديعها الى مثواها الأخير بمدينة قابس حيث قبلت جبينها وطلبت السماح من قامة من قامات البذل والعطاء من اجل قيم الإنسانية والعدالة. وقد صادف نفس يوم وفاة عمي فلم يكن لي من خيار سوى توديع سعاد التي تنتظرني صباحا والعودة وإن متأخرة بعض شيء لحضور جنازة عمي مساء.
وهذه الكلمات المتواضعة التي قلتها بمناسبة اربعنيتها التي أقيمت في21 افريل 2015 بصفتي رئيسة جمعية القضاة التونسيين بكلية الحقوق بسوسة والتي لم يمكني إزدحام الأحداث من نشرها أنشرها في الإبان انشرها اليوم بكل محبة وخشوع على روح سعاد موسى الزكية .
عرفنا سعاد موسى سنة 2011 إثر إنبلاج ثورة الحرية والكرامة إمرأة تتقد حياة وعطاء . فكان اللقاء النضالي داخل جمعية القضاة من أجل المشروع الوطني لاستقلال القضاء بالبعد الأكاديمي للمشروع الدي زاده متانة وعمقا ووضوحا.
كان العمل مع سعاد مند البدايات أي مند المؤتمر العاشر الخارق للعادة لجمعية القضاة التونسيين في أكتوبر 2011 وخلال الندوة العلمية التي انعقدت في إطار المؤتمر يومي 28 و 29 أكتوبر 2011 وانبثقت عنها مشاريع اللوائح الخاصة بالوضع الدستوري للسلطة القضائية المرتقبة والقوانين الأساسية للسلطة القضائية . لقد بذلت سعاد موسى في هذه المناسبة جهدا خلاقا في إدارة النقاشات وتأطيرها انتهاء بانتاج الأفكار الجوهرية للرؤية التأسيسية الجديدة للسلطة القضائية المستقلة الضامنة للتمشي نحو الحرية والديمقراطية .
ثم تواصل جهدها ونضالها إلى جانبنا في مراحل صياغة المشاريع المتكاملة فجسمنا معها ومع اصدقائنا في وحدة البحث في القانون الدستوري والجبائي المغاربي بكلية الحقوق بسوسة التوجه نحو تشكل العقل القضائي المستقل الذي ينتج تصوراته ورؤاه ويوجه الفعل السياسي نحو التأسيس والاصلاح ولا ينتظر المشاريع المسقطة من السلطة التنفيدي ولا يكتفي بالمطالبة السلبية العاجزة .
وضعنا المشروع الأول لقانون الهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي وكم احتاج هنا من كلمات لاصف حجم تفاني سعاد معنا في بلورة هذا المشروع فصلا فصلا بل كلمة كلمة خلال ساعات طوال وهبتنا فيها من جهدها وروحها وأعصابها . لقد كانت حاضرة ومستعدة على الدوام للعطاء ومزيد العطاء بلا كلل ولا ملل . قضت معنا أوقات طويلة أيام السبت والآحاد أيام عطلها وراحتها تعمل بتفاني المناضلة المؤمنة بقضية استقلال القضاء برغم بأن المرض الخبيث المخيف قد بدأ يعمل عمله داخل جسمها . عملنا حتى اكتمل المشروع فكان أول مشروع قدم للمجلس الوطني التأسيسي في 20 فيفري 2012 مشروع القضاة الذي سبق مشروع الحكومة وانتهى نضالنا بخصوصه إلى المصادقة على القانون المحدث للهيئة الوقتية للاشراف على القضاء العدلي عدد 16 لسنة 2013 التي هي اليوم إنجاز نلمسه ونعايشه كأول تجربة في التسيير الداني للقضاء العدلي في إدارة المسارات المهنية للقضاة في كنف الاستقلالية بعيدا عن كل تدخل للسلطة التنفيدية وهي نمودج متفرد في الدول العربية يغبطنا عليه الكثير من أصدقائنا من الحقوقيين والمناضلين من أجل استقلال القضاء في الوطن العربي 
ثم وبمجرد الفراغ من مشروع قانون هيئة القضاء العدلي انطلق عملنا مع سعاد وأصدقائنا من وحدة البحث في بلورة تصور السلطة القضائية في الدستور فكان الرهان الأكبر تصور جديد لسلطة قضائية موحدة للأقضية الثلاث - العدلي والاداري والمالي - يكون فيه المجلس الأعلى للقضاء الإطار المجسد لوحدتها ولهويتها الجديدة المستقلة سلطة حامية للحقوق والحريات فاعلة في البناء الديمقراطي من أجل عدالة بوجه إنساني عدالة في خدمة مجتمعها.
كان عملا ماراطونيا قام على صياغة واقتراح باب متكامل للسلطة القضائية على المجلس الوطني التأسيسي في 2 أوت 2012 كما قام على المواكبة العلمية والاعلامية والنضالية الميدانية لكل مشاريع الدستور وما شهدته في باب السلطة القضائية من مد وجزر طوال سنتي 2012 و 2013 . فكان عطاء سعاد معينا لا ينضب داخل لجنة الصياغة للجمعية وسندا قويا في الدعم الخارجي بالمساعدة في تشبيك علاقات الجمعية بمحيطها الجمعياتي والمؤسسي من داخل المجلس الوطني التأسيسي بممارسة LE lobiing وباستثمار صداقات ثمينة من داخل المجلس من النواب الدين آمنوا بمشروع التأسيس لسلطة قضائية مستقلة ومنهم - النائب الفاضل الاستاد محمد قحبيش- للدفاع على المشروع انتهاء بتكريس أهم مضامينه في القراءة الأخيرة لدستور 27 جانفي 2014 وذلك سواء من حيث الضمانات الأساسية لاستقلال القضاة كمبدا عدم نقلة القاضي بدون رضاه وعدم قابليته للعزل إلا بقرار معلل من المجلس الأعلى للقضاء أو من حيث الضمانات الهيكلية المتعلقة بإرساء المجلس الأعلى للقضاء كهيكل ممثل للسلطة القضائية الموحدة يتمتع بالاستقلال المالي والإداري والتسيير الذاتي ويضمن حسن سير القضاء واحترام استقلاله وباعتبار النيابة العمومية جزءا من القضاء العدلي وليس من السلطة التنفيدية بما يمهد الطريق لاستقلال هدا الجهاز حتى يكون مختصا بتمثيل الدولة وليس الحكومة وبحماية الشرعية والمصلحة العامة وليس المصالح الخاصة .
لقد كانت سعاد مثلما كان يحلو للاستاذ العجمي أن يسميها دينامو مجموعة الاساتذة الجامعيين والقضاة العاملين على مشروع استقلال القضاء وكانت الأم الحاضنة والوفية لذلك المشروع كما تؤكد جمعية القضاة على ذلك هذا البعض من عملها من أجل معركة استقلال القضاء ولكن الأيام لم تسعفها لتواصل هدا الجهد الدي بدأناه معا خاصة وأن المرحلة القادمة تلوح ومند الآن صعبة وربما مريرة. ما افدح الخسارة فيك يا سعاد وما اقسى ما عشته شخصيا وانا اسال عنك وعن احوال صحتك... قابلتها في منزلها منذ عام في سوسة انأ وثلة من النقابيين الجامعيين فهالني ما أصابها . سألناها عن صحتها فقالت لنا "انا متعبة "...لم أكن قلقة عليها فقد عاشت دائما وسط المعارك قلت "هذه معركة أخرى لا شك انها ستنتصر فيها بعزيمتها " تجلى وجه المحنة بعد ذلك وسار الجسم والفكر اللذان لم يتوقفا عن الحركة أبدا إلى صمت لم يكن يعرف سببه إلا عدد قليل من أصدقائها.. لكأن الموت كان يخشاها فلم يأخذها دفعة واحدة بل دب في الجسم أشهرا عديدة ثم إلتهم الروح . ظلت تقاوم في صمت ...لم تحدث أحدا بشيء الا اقرب الناس اليها .. كانت تعاني في صمتها وتعد رفاقها بأنها عائدة وهي تعرف انها لن تنتصر هذه المرة في معركتها الأخيرة مع المصير.. رايتها مرة أخرى أخيرة وهي حية قبل ان اراها على سرير الموت واقبل جبينها ... كانت تستمع إلى أحاديث السياسة حولها وتشارك فيها وكأنها في عنفوان صحتها. حدثتنا عن مشاريعها التي لم تكتمل كما كانت تفعل حين كان الجسد خاليا من الوحش المقيت . كنا نحن وهي نتجنب الحديث في المرض والموت لأننا كنا نخشى أن نضعف فنبكي قبل الأوان ولقد بكيت بعيدا عنها قبل الرحيل... توفيت المناضلة التي لم تستسلم للموت أبدا فقابلته بعزة نفس قلما رأيتها في غيرها...ارتحلت سعاد وقد تركت في العمر القصير الذي كان عمرها رصيدا من النضال من المسؤولية النقابية في المكتب التنفيذي للنقابة العامة للتعليم العالي إلى جمعية المواطنة والحكامة التي كانت من مؤسسيها الى تنيسقية المجتمع المدني بسوسة . بل لعل ما لا يعلمه الكثيرون انها وهي استاذة القانون العام بكلية الحقوق بسوسة كانت صديقة جمعية القضاة وإنها كانت من المهندسين الأصليين لكل مشاريع القوانين التي تقدمت بها الجمعية إلى المجلس التأسيسي كما ذكرت انفا . أمنت سعاد بالحرية وبالثورة كما أمنت بالعمل النقابي فدافعت بشراسة عن نقابة الجامعيين أيام الانقلاب عليها امتلات بقيم استقلال القضاء وبدولة الحقوق والحريات لم تنتظر من أحد لا جزاء ولا شكورا فماتت بعزة نفس منعتها من السؤال وهي تقاوم المرض بما لم يتوفر لها مما يحتاجه المصابون بما اصيبت به من داء من امكانات مادية ثقيلة .خاضت تجرية المعاناة على مدى اربع سنوات وحدها تقريبا عدا اهلها و ثلة قليلة ممن عرفوها وأحبوها فرافقوها أيام المحنة والألم . تركت لنا بعضا من روحها وكثيرا من رباطة جأشها وبهجة روحها في اشد الازمات وعزيمتها وذلاقة لسانها وعمق تحليلها وطيبة نفسها لنواصل بذكراها مسيرتنا على الدرب، وهي هناك ونحن هنا وكأن ما يفصلنا ليس غير غياب قصير تؤوب بعده إلينا...رحمك الله صديقتي التي ما أن عرفتها حتى دعاها الموت إليه ونحن في اشد الحاجة إلى نبض وجدانها وعقلها..... لكان الموت حسدني فيك يا سعاد

 للمشاركة في الدورات التكوينية :

 

الدورة التكوينية التاريخ الرابط
الأنقليزية القانونية بداية من 16 فيفري الى 24 مارس 2018 هنا
المالية الاسلامية يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا
دور الخبير المحاسب في التدقيق في سلامة المنظومة المعلوماتية 07 أفريل 2018 هنا
اليات تحيين الرسوم العقارية يومي الجمعة 13 والسبت 14أفريل 2018 هنا
قانون تأمين المسؤولية المدنية عن حوادث المرور 20 و 21 أفريل 2018 هنا
التصرف القضائي: الاشكاليات التطبيقية يومي 06 و 07 أفريل 2018 هنا
الأنقليزية القانونية(دورة أكتوبر 2018) بداية من 25 سبتمبر الى 28 أكتوبر 2018 هنا
نظم مكافحة الفساد حسب المعيار الدولي أيزو 37001 يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا

 

 
 

 

 

 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الإثنين, 26 آذار/مارس 2018 08:15
  • حجم الخط

فيديوهات قضاء نيوز

Loading Player...

تابعونا على الفايسبوك



تابعونا على تويتر

خريطة الموقع

للإتصال بنا

العنوان : 29 شارع المنجي سليم باردو

الهاتف : 224 224 71

الفاكس : 244 224 71

البريد الإلكتروني : marsed.kadha.tn@gmail.com