ماذا فعلت السلطة لمقاومة جريمة التعذيب؟ بقلم عبد السلام الككلي

صادقت تونس على أغلب وأهم المواثيق والصكوك الدولية الحامية لحقوق الإنسان بدءاً بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وحماية الأشخاص من التعذيب مرورا بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة وانتهاء بحماية حقوق الطفل ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. 
والتزاما بتعهداتها صدر المرسوم عدد 106 لسنة 2011 المؤرخ في 22 أكتوبر 2011 الذي نقّح الفصل 101 مكرر من المجلة الجزائية للتوسع في قائمة الأشخاص الذين يشملهم العقاب عند ارتكاب جريمة التعذيب ليشمل إلى جانب مرتكبها المشارك وكل موظف يأمر بالتعذيب ويوافق عليه ويسكت عن الجريمة مع علمه بها.
كما اصبحت جريمة التعديب لا تسقط بالتقادم مع الترفيع في العقاب إن استهدف التعذيب طفلا أو إذا نتجت عنه وفاة. 
وكتتمّة لإحداث اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني بموجب الأمر عـدد 1051 المؤرخ في 2006/04/20 التي تعنى بالتعريف بمبادئ القانون الدولي الإنساني ونشر ثقافته وتطويره وتنفيذ قواعده على المستوى الوطني، فقد أحدث الهيئة الوطنية للوقاية من التعذيب بموجب القانـون الأساسـي عددـ 43 المؤرخ في 21 أكتوبر 2013 ا التي خول لها المشرع صلاحيات واسعة للتصدي للتعذيب. كما ينص الفصل 23 من الدستور الجديد على تنصيص صريح على أن الدولة تحمي كرامة الذات البشرية وحرمة الجسد وتمنع التعذيب المعنوي والمادي. 
كما ينص الفصلان 27 و30 على أنه من حق السجين التمتع بمعاملة إنسانية تحفظ كرامته وإعادة التأهيل والإدماج والحق في محاكمة عادلة تكفل ضمانات الدفاع . وكثيرا ما تؤكد الدوائر الرسمية “أن كل أمني يثبت تورّطه في المساس بحقوق الإنسان وكرامته سيوضع تحت طائلة القانون”، وعلى ضرورة مقاومة أي سياسة ممنهجة للمس بحقوق الإنسان وأيّ تجاوزات فردية لبعض الأمنيين لضمان المعادلة الصعبة بين تطبيق القانون واحترام حقوق الإنسان“.
هذا على مستوى التشريعات والتصريحات المليئة في كثير من الأحيان بالنوايا الحسنة، ولكن على مستوى الواقع والممارسة، يمكن أن نقول أن الدولة سخرت فعليا طاقات هامة لمقاومة آفة الإرهاب فأنشأت قطبا قضائيا متخصصا في قضاياه ودوائر متخصصة فيه أيضا وأحدثت قانونا للتصدي له ووفرت له كثيرا من الإمكانات العسكرية والأمنية، لكن جهودها في مجال مكافحة التعذيب بقيت بالمقابل شبه معدومة. 
ناهيك أنه لم يقع تأهيل الجهاز الأمني وإصلاحه كما كان مأمولا ومنتظرا بعد الثورة ولم يتم توفير الإمكانات الضرورية أمام باحث البداية لمساعدته على الخروج من منطق الاستنطاق المؤسس على افتكاك الاعترافات بالقوة في سبيل تأسيس منطق جديد أمني جمهوري يقوم على ثقافة حقوق الإنسان عامة ولكن خاصة على الاثباتات العلمية والقرائن التي يصعب دحضها أمام القضاء. فلا يقال أن الأمن يقبض على المجرمين والقضاء يطلق سراحهم وهو قول يروج له البعض في تونس هذه الأيام.
ففي الحالات التي توجد فيها شبهات تعذيب، لا تفتح وزارة الداخلية عادة تحقيقات صلبها للسعي إلى معرفة الحقيقة مع غياب أية سياسة في ذلك. كما أنه لا وجود لدوائر قضائية متخصصة في هذا الشأن. تشكو البلاد أيضا من غياب تأهيل للقضاة، بل تشكو من غياب أي فقه قضائي يوضح أركان جريمة التعذيب لان هناك إرادة لإخفاء كل ما يتصل بها ووصول أمرها إلى القضاء. وهكذا لا وجود لمحاضر ومحاكمات وتاليا تغييب تام للجرائم. 
كما يشير كثيرٌ من ناشطي حقوق الإنسان إلى أن الضابطة العدلية قليلا ما تلتزم بتوجيهات حاكم التحقيق المتعهد بالقضية .
وهكذا يقف الإفلات من العقاب على رأس هذه العناصر المشجعة على ممارسة هذه الجريمة حيث يجمع الحقوقيون المحليون والدوليون على البطء الكبير في نسق التقاضي عندما يتعلق الأمر بحالة التعذيب.
وهذه الملاحظة يدعمها الانعدام شبه الكلي لإدانة مرتكبي جرائم التعذيب رغم انتشار الظاهرة وتغلغلها داخل المؤسسات الأمنية. فلم تسجل الفترة الممتدة بين سنة 2013 وسنة 2017 بحسب تقرير المنظمات الدولية لمناهضة التعذيب سوى حالات ادانة قليلة، ويضاف إلى ذلك أن ارتباط مسار التقاضي بمسار البحث ساهم في تعزيز الإفلات من العقاب، حيث جرت العادة أن يُفتَح البحث في جرائم التعذيب داخل مراكز الشرطة وفي بعض الأحيان في نفس المركز الذي وقعت فيه حالة التعذيب، وهو ما ينسف شرط الحياد والموضوعية اللذين من المفترض أن يتأسس عليهما المسار”البحثي“، وذلك بسبب الهيمنة العامة لحالة التضامن بين الأمنيين والتي تلقي بظلالها في معظم الأحيان على القائمين على مجريات البحث. 
ولذلك لا تزال المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب تطالب بسحب صلاحيات البحث في قضايا التعذيب من جهاز الشرطة ومنحها لوكيل الجمهورية.
ويتواصل الإفلات من العقاب أيضا في حالات التعذيب التي نجم عنها الموت. وهو ما بات يطرح الكثير من الأسئلة خصوصا أنّ التقارير الطبية التي تصدر في هذا السياق تخلص إلى أن حالات الوفاة كانت طبيعية في حين أن عائلات الضحايا وتقارير منظمات حقوق الإنسان تشير إلى أن الضحايا لقوا حتفهم في سياقات يكتنفها الكثير من الغموض. وإزاء هذه الظروف المشبوهة للوفاة، أصبحت المنظمة التونسية لمناهضة التعذيب تطالب بضرورة إجراء الاختبارات من قبل لجنة متكونة من ثلاثة أطباء يتم اختيار أحدهم من قبل عائلة الضحية. استفحال ظاهرة التعذيب الذي تدعمه الإحصائيات، تواجِهه الأجهزة الرسمية بالإنكار والتملّص، ملقية في بعض الأحيان بالمسؤولية على منظمات حقوق الإنسان التي تجنح – حسب رأي الأجهزة الرسمية - إلى المبالغة والتهويل خدمة لأجنداتها الخاصة.
إن كل هذا يثير الشبهة بلا شك حول إرادة السلطة التصدي لآفة التعذيب أو حتى البداية في مقاومتها، ويفتح الباب حتما أمام كل أنواع التجاوزات في هذا المناخ غير الصحي والذي يهدد دولة الحق والقانون. إن هذا المناخ هو أيسر مدخل لإفساد منظومة القضاء برمتها وانعدام الثقة العامة في السلطة القائمة مما يمهد السبل إلى إيجاد جوّ مشحون ضد الحكام وانتشار الشعوربالظلم والقهر.

المصدر- موقع اسطرلاب -27-2-2018

 للمشاركة في الدورات التكوينية :

 

الدورة التكوينية التاريخ الرابط
الأنقليزية القانونية بداية من 16 فيفري الى 24 مارس 2018 هنا
المالية الاسلامية يومي 30 و 31 مارس 2018 هنا
دور الخبير المحاسب في التدقيق في سلامة المنظومة المعلوماتية 07 أفريل 2018 هنا
اليات تحيين الرسوم العقارية يومي الجمعة 13 والسبت 14أفريل 2018 هنا
قانون تأمين المسؤولية المدنية عن حوادث المرور 20 و 21 أفريل 2018 هنا
التصرف القضائي: الاشكاليات التطبيقية يومي 06 و 07 أفريل 2018 هنا
الأنقليزية القانونية(دورة أكتوبر 2018) بداية من 25 سبتمبر الى 28 أكتوبر 2018 هنا

 

 
 

 

 

 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الثلاثاء, 27 شباط/فبراير 2018 15:16
  • حجم الخط

فيديوهات قضاء نيوز

Loading Player...

تابعونا على الفايسبوك



تابعونا على تويتر

خريطة الموقع

للإتصال بنا

العنوان : 29 شارع المنجي سليم باردو

الهاتف : 224 224 71

الفاكس : 244 224 71

البريد الإلكتروني : marsed.kadha.tn@gmail.com