مقال للاستاذ شرف الدين قليل قانون المصالحة مرة أخرى : مغالطات بالجملة و تحيل و ابتزاز بالتفصيل (الجزء الأول)

 والآن و قد أسدل الستار على مهرجان "الطلعة البهية ذات العواقب الكارثية للزيارة الميدانية للسيد رئيس الجمهورية لتفقد شؤون الناشئة و الرعية"، أسمح لنفسي بمقاطعتكم لإعلامكم بأن يوم غد هو آخر أجل قانوني للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين للفصل في الطعن المقدم من طرف عدد من النواب ضد مشروع قانون المصالحة الإدارية ( و أصر إصرارا على نعته بمشروع قانون التطبيع مع الفساد و تبييض الفاسدين ). و أنتهز الفرصة بهذه المناسبة السعيدة حتى أطلق العنان مجددا للساني لطرح جملة من المحاذير في علاقة بهذا المشروع( الذي لم يأخذ حظه من النقاش للأسف...و الذي بذل إعلامنا المغوار قصارى جهده من أجل تفادي التداول في شأنه و من أجل التعتيم عن حجم الجرائم و الاعتداءات التي استهدفت المتمسكين بمناهضته!!! ) و بهذا الطعن و بالقرار المنتظر صدوره عن الهيئة:

حذاري أن تصدقوا رئيس الجمهورية الذي طلع علينا على تلفزتنا الوطنية سلسا متواضعا و متلبسا بديمقراطية، هي في الأصل بريئة منه و من صنيعه، عندما اعتبر بأن هذا المشروع هو نسخة مغايرة لمبادرته، و بأن أعضاء لجنة التشريع العام قد أخذوا بعين الاعتبار مختلف التحفظات و المقترحات ذات الصلة إلى درجة تجاوز مبادرته (علما...أن كلامه يقيم الدليل على عدم دستورية هذا المشروع باعتبار أن الاختلاف الجذري بين النصين يبين أننا في حضرة مشروع جديد و مبادرة جديدة، و هو ما يفترض سحب المبادرة الاولى و تقديم ثانية من طرف نفس الجهة أو تقديم مبادرة تشريعية جديدة من طرف النواب فوق شروط دستورية مضبوطة ، الأمر الذي لم يحدث في كلتا الحالتين، و يجعل من أعمال لجنة التشريع العام ذات العلاقة و بمداولات الجلسة العامة في شأنها، و ما تمخض عنهما، باطلة دستوريا بطلانا بينا!!! )
لا...اااا... لأن هذه الحيلة السياسية التي امتطى صهوتها المدافعون عن مبادرة الرئيس أسقطتها العدسات و تقارير المراقبين الذين شاهدوا بأم أعينهم حجم التعبئة السياسية التي انتهجها قصر الرئاسة للترويج للمبادرة، لدرجة نزول أغلب المستشارين إلى رحاب لجنة التشريع العام و إلى رحاب الجلسة العامة و إلى عديد الفضاءات الأخرى...للهرسلة، للضغط، للتأثير...و أيضا للابتزاز و التهديد.

حذاري أن تصدقوا رئيس مجلس نواب الشعب الذي ادعى زورا و بهتانا (في بادئ الأمر ) بأن استشارة المجلس الاعلى للقضاء غير واجبة دستوريا و ان لا حاجة لانتظار ورودها، ثم اتهم على الملإ المجلس الأعلى للقضاء بالتخاذل في الرد على طلب استشارته. لا تصدقوه خاصة و أنه قد وقع الاتفاق صلب مراسلات رسمية على أن تقدم الاستشارة في المجلس في مطلع السنة البرلمانية(غرة أكتوبر ) لأن موضوعها متشعب و لأنه من أوكد التزامات المجلس الأعلى للقضاء في تلك الفترة هو إعداد الحركة القضائية في المجالس القطاعية الثلاث، قبل نشرها، و قبول الطعون و البت فيها، و ذلك طبعا قبل انتهاج أسلوب "الغدرة" و مباغتة المجلس الأعلى للقضاء بمراسلة وردت عليه يوم 12/09/2017 تعلمه فيها بتقرير جلسة برلمانية استثنائية بعد يومين و بواجب تقديم الاستشارة قبل ذلك الموعد!!!! (.... و هو ما يفرض علينا جميعا أن نخجل من أنفسنا لأننا تركنا هذه المؤسسة، التي لطالما حلمنا بها، لقمة سائغة بيد السلطة، الحريصة كل الحرص على تدجينها و تقليم جميع أظافرها. فكان من نتائج ذلك أن بقيت هذه المؤسسة إلى حدود الساعة من دون مقر، و من دون اعتمادات مالية و لا ميزانية، و من دون إطار إداري أو وظيفي... ثم نطالب هذا المجلس، على تلك الشاكلة، بأن يحرص على الوفاء بالتزاماته الدستورية في "آجال معقولة" !!!! )
حذاري أن تعتبروا هذه النسخة الجديدة من المشروع المعنونة "مشروع قانون المصالحة في المجال الإداري " هي أقل خطورة من النسخة الأصلية الصادرة عن رئاسة الجمهورية في جويلية 2015. حذاري من ذلك أرجوكم و لا تغتروا و لا تعتبروا أنفسكم رابحين عندما "أجبرتم" صاحب المبادرة على التنازل و تعديل مبادرته. حذاري من ذلك أرجوكم...إنها الخديعة الكبرى!!!
لقد سبق و أن وقع تنزيل النسخة الأولى من مشروع القانون، كما حملة الدفاع عنها، تحت خانة: "المغالطات الكبرى"
و لكن، هذه المرة، جدير بنا تنزيلهما معا تحت خانة: "قانون الغدارة" أو "القانون الملغم...فسادا ".
لست أبالغ في شىء صدقوني، و بإمكانكم الوقوف على ذلك من خلال هذه النقاط (الطعون ) البرقية:

1/ على عكس ما يوحي به عنوان المشروع، فإن هذا القانون لا علاقة له إطلاقا بالمصالحة. إنما هو قانون عفو و لا تشير جميع فصوله و لو التلميح إلى المصالحة أو "الصلح"، و لكنها تتنزل جميعا تحت خانة "العفو". و عندما نعلم أن الدستور يفرض أن تتخذ القوانين المتعلقة بالعفو شكل "القوانين العادية" و ليس "الأساسية " كما هو الأمر مع هذا المشروع، فمن حقنا...بل من واجبنا أن نجزم أن الغاية الأولى و الأهم و الاخ بث من وراء سن هذا القانو الأساسي هي ضرب قانون أساسي آخر و نسخه( على الأقل إبطال أحكامه المتعارضة مع القانون الجديد )، و هو القانون الأساسي عدد53 لسنة 2013 المتعلق بتنظيم العدالة الانتقلية!!! و طالما كان الامر كذلك، و طالما تدعم ذلك بالحقد الشديد الذي يكنه رئيس الجمهورية لمؤسسة العدالة الانتقالية من جهة، و بالتوظيف الانتهازي الرخيص الذي تتوخاه حركة الاخوان إزاء نفس المؤسسة من جهة اخرى، فمن حقنا الجزم بكل بساطة أن أهم أركان المنوال التونسي لتلك المؤسسة سوف يقع الاجهاز عليها و قبر مختلف آلياتها و شروط تحققها صعب هذا المشروع الخبيث( كشف الحقيقة، المساءلة القضائية، تخليد ذكرى الضحايا بعد جبر الإضرار المادية و المعنوية، إصلاح الأجهزة و المؤسسات و عربيتها...ثم المصالحة. ).
حذاري إذا من اعتبار هذا المشروع مكمل أو مدعم لقانون العدالة الانتقالية، و إنما هو مقوض له و ناسخ لأهم احكامه.
2/ على عكس ما يتشدق به المدافعون عن هذا القانون بأن المستفيدين منه و من أحكامه لن يكونوا غير " الموظفين المساكين المغلوبين على أمرهم" و أشباههم،( كيفما وقع تعريفهم بالفصل 82 من الجملة الجزائية)، فإن صياغة الفصل 2 من هذا المشروع التي تحيلنا في تقديم المستفيدين من هذا القانون إلى الفصل 96 من نفس المجلة تؤكد أن:
- الجرائم المراد تبييضها تتجاوز بكثير جرائم الإضرار بالإدارة أو تحقيق المنفعة للغير، لتتعلق أيضا بجريمة اختلاس المال العام( الفصل 58 من مجلة المحاسبة العمومية )، و جريمة أخذ الاموال باطلا بدون وجه حق...( الفصل 95 م.ج. )، و جريمة جريمة الحصول على فائدة أو رحلات وجه له باستغلال الصفة، و جريمة تبديد أي ممتلكات أو أمة او أوراق مالية عمومية أو خصوصية أو اي أشياء أخرى ذات قيمة عهد بها إليه بحكم صفته أو بحكم موقعه..."(المادة 17 من الاتفاقية الدولية لمكافحة الفساد المصدق عليها من طرف الدولة التونسية منذ سبتمبر 2008 ) //( ملاحظة: سبق الدولة التونسية في سنة 2012 أن استندت إلى هذه المادة من الاتفاقية لاسترجاع الأمان التي هربتها ليلى بن علي إلى دولة لبنان و قدرها 28 مليون دولار، و ذلك بالتعاون و التنسيق مع الجهاز التابع بالشراكة بين الأمم المتحدة و البنك الدولي-Stolen Asset Recovery Initiative -)
- زمرة الفاسدين المراد تبييضهم بهذا القانون تتجاوز بكثير فئة الموظفين العمومين و أشباهم(الفصل 82 م.ج. )، لتشمل أيضا شركاتهم في ارتكاب الجريمة مهما كان صفتهم، و مهما كانت نوعية المشاركة( حتى و إن كانت مشاركة سلبية )، و لتشمل أيضا جميع المستهدفين بالتتبع بالفصل 96 م.ج.( بما فيهم رجال الأعمال و مسؤولي المنظمات الوطنية و مسؤولي الشركات ذات المساهمات العمومية و المتصرفين القضائيين و... القائمة طوييييلة جدا )، و كذلك المستهدفين بالتتبهدع بالفصل 58 من مجلة المحاسبة العمومية( آمر الصرف و غيرهم من الأعوان العمانيين الذين ليست لهم صفة محاسب عمومي أو وكيل مي ابيض أو وكيل دفوعات ) !!!! #حذاري إذا من حصر قائمة المستفيدين من هذا القانون الماكر في فئة " الموظفين العموميين و أشباههم" ( فأعمال المشرع مصانة عن العبث...و لا أظنه يعبث عندما تعمد حشر الفصل 96 م.ج.//اللغم // في الفصل الثاني من المشروع )
3/ على عكس ما ورد بردود النواب هل عريضة الطعن من أن الهيئة القضائية التي أحدثها هذا المشروع في فصله السابع( و التي يترأسها رئيس محكمة التعقيب و يتمثل في تركيبتها ممثل النيابة العمومية) كانت متطابقة مع النظام القضائي العدلي، فإن الحقيقة القانونية تفحص ذلك تماما: فمن المسلم به قانونا أن محكمة التعقيب هي محكمة قانون و يتمثل دورها في مراقبة حسن تطبيق محاكم الأصل للقانون و حسن احترامها للإجراءات الاساسية و لضوابط النظام العام. و طالما أن هذا المشروع قد خص هذه المحكمة بالنظر في مختلف النزاعات التي قد تنشأ عن تطبيقه في علاقة باستحقاق شهادة العفو( أو في علاقة أيضا-لما لا- برفض محكمة معينة إيقاف النظر في قضية جارية أمامها تعلق بها مطلب العفو... )، فان هذه الهيئة التعقيبية المستحدثة سوف تنظر،خلافا للدستور، في أصل النزاع و حيثياته، ، و سوف تتحول حينئذ الى محكمة "وقائع " و ليست محكمة "قانون!!!.... و هو ما سوف يجعل بالضرورة من الهيئة المذكورة محكمة استثنائية للنظام القضائي العدلي التونسي، الأمر الذي يحجره الفصل 110 من الدستور بصفة صريحة.
علما أن نفس هذا الطابع الاستثنائي يتدعم، بل و يزداد وطأة و خطورة و مخالفة صارخة للدستور، عندما جعل مشروع هذا القانون الماكر من أحكام تلك الهيئة غير قابلة للطعن باي وجه من الوجو؛ و هو ما يمثل أيضا ضربة في مقتل للمبدإ الدستوري و الكوني في حق التقاضي على درجتين!!!
فحذاري إذا من اعتبار أن مهندسي هذا القانون كان يدور بخلدهم اي أدنى اعتبار لروح الدستور و واجب احترام أحكامه، مقارنة بأحكام سيده و سيد قراراته مهما بلغ جورها و مها طغت مخالفتها للدستور، و مهما كانت الوسائل المعتمدة للتحيل على ذلك الدستور المسكين...#حذاري من معشر هؤلاء العبيد الماكرين أيضا!!!
4/ على عكس ما وقع الترويج له من أن التعديلات "المقحمة" على هذا القانون قد أخذت بعين الاعتبار الرأي الاستشاري الذي صدر عن "لجنة البندقية"، و على ما تضمنته وثيقة شرح الأسباب كيفما وقعت صياغتها من طرف لجنة التشريع العام و تلاوتها بالجلسة العامة بكل مكر و اعتزاز من طرف رئيس اللجنة، فإن المتأمل ( و ليس المتعمق ) في رأي لجنة البندقية يدرك دهاء ذلك الترويج الدنيئ، حتى بلغ الأمر باصحابه الى تعمد الوقوف عند "ويل للمصلين"( إنها حمى الاحتماء بالدين و ابتكار الفتاوى على المقاس يا حبيبي!!! ). فلئن لم تمانع لجنة البندقية في أحداث مسارات موازية "مكملة و متكافئة " لمسار العدالة الانتقالية، إلا اشترطت لجواز ذلك أن يصب المسار المستحدث في نفس خانة مسار العدالة الانتقالية و يحقق نفس أهدافه المتمثلة أساسا في " كشف حقيقة مختلف الانتهاكات، و ضبط مختلف المسؤوليات الفردية و الجماعية المتصلة بها، و مساءلة المسؤولين عن تلك الانتهكات مساءلة قضائية عادلة، و جبر ضرر ضحايا تلك الانتهاكات و تخليد ذكراهم، و إصلاح الأجهزة و المؤسسات و التشريعات و غربلتها من مختلف المسؤولين عن تخريبها. ..كل ذلك في سبيل التوصل إلى مصالحة شاملة و شمولية". و طالما لم يضع هذا المشروع في مختلف فصوله أية آلية لتحقيق تلك الأهداف السامية، و اقتصر دوره على القفز عليها و فرض مصالحة ملغومة، فإنه جاء بالضرورة مخالفا، بل و غير مكترث بموقف الهيئات الحقوقية الدولية و على رأسها لجنة البندقية (و الدولة التونسية أحد أعضاءها! !! ).... #حذاري إذا من هؤلاء العابثين بقدرنا و بقدر سمعتنا.... * يتبع*


للمشاركة في الدورات التكوينية

الدورة التكوينية

تاريخ الدورة

الرابط

نظام مكافحة الفساد حسب المعيار الدولي أيزو 37001

07 أكتوبر 2017

هنا

التحكيم التجاري الدولي وفق قواعد غرفة التجارة الدولية

28 أكتوبر 2017

هنا

الانقليزية القانونية

من 27 نوفمبر 2017 الى غاية 30 ديسمبر 2017

هنا


 



 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الخميس, 05 تشرين1/أكتوير 2017 16:07
  • حجم الخط

فيديوهات قضاء نيوز

Loading Player...

تابعونا على الفايسبوك



تابعونا على تويتر

خريطة الموقع

للإتصال بنا

العنوان : 29 شارع المنجي سليم باردو

الهاتف : 224 224 71

الفاكس : 244 224 71

البريد الإلكتروني : marsed.kadha.tn@gmail.com