الحركة القضائية: من رفع الشبهات عن القضاء إلى رفع المظالم عن القضاة بقلم القاضية ليلى الزين

 إن أي قراءة تحليلية للحركة القضائية لا بد ان تقف عند الرسائل التي اعلن عنها مجلس القضاء العدلي حول اولوياته في المرحلة الراهنة والتي لن تختلف كثيرا عن سياسته العامة مستقبلا. واهمها تامين العمل في محيط آمن لا يسبّب له اي احراج مع "السلط المتكاملة مع السلطة القضائية" (النظرية التي عوضت الفصل بين السلطات)، على شاكلة الاضرابات و غيرها من الازمات الذي شهدها القضاء في الفترة المنقضية.
وذلك باعادة الاستعانة "بكفاءات" تصدّرت المشهد القضائي قبل 2011 ونجحت في فرض الانضباط و" هيبة القضاء" بمفهوم الادارة وفي خلق اجيال الخوف والطاعة والانسجام .
نجح المجلس بالتعيينات الهامة في تامين "حدود القضاء" كما يراها وتراها السلطة السياسية من ورائه بسد المنافذ بهذا الثِقل في الاسماء. من أجل ذلك لن تكون الحركات المقبلة الا مجرد سد لبعض الشغورات (رتوش) استكمالا لاجراءات اعادة التموقع وازاحة ما بقي من الفلول.
وحتى لا تكون القراءة مجرد نقد او اتهام، فيمكن دعمها بالشواهد التالية:
_ في سياق ما اعتبره المجلس رفع مظالم عن القضاة و اعتبرته الهيئة سابقا رفع شبهات عن القضاء، عينت هذه الحركة في خطط وظيفية أولى بعض من استثنتهم الهيئة في الحركات السابقة لعدم توفر شروط النزاهة اوالحياد او الاستقلالية او الذين جردتهم من الخطة لنفس الاعتبارات،
و مع أنّ هذه الاعتبارات لم تُرفع، فان الامر لا يخلو من ثلاث فرضيات:
الاولى : انه تعذّر على المجلس الاطلاع على الملفات الشخصية للقضاة وهذا مستبعد في وجود علاقة انسجام وودّ بين المجلس و الوزارة
الثانية: ان المجلس لا يعنيه ما احتوته الملفات الشخصية – وهو الاقرب الى الظن- بما يعني افراغ معايير النزاهة والحياد والاستقلالية التي اعلن عليها من معناها
_ الثالثة وهي الاخطر ان تكون الارادة متجهة فعلا الى تعيين اسماء بعينها مع العلم بعدم توفر المعايير المذكورة في شانها. (وهذا يجب ان يكون مستبعدا)
_ الى جانب غياب تفعيل معايير النزاهة والحياد وخاصة الاستقلالية، غابت آلية التناظر بين القضاة وفق ما تم التنصيص عليه بالمعايير فعنصر الاقدمية لم يتم تفعيله كمعيار ترجيح فقد تم اسناد العديد من الخطط القضائية الاولى لقضاة اقل اقدمية ممن لم تتم الاستجابة لمطالبهم، واخص بالذكر خطة رئيس دائرة بمحكمة التعقيب (مثال اسندت الخطة لقضاة من دفعة نوفمبر 1988 و جانفي 1989 في حين تم تجاوز العديد من قضاة دفعة مارس 1988)
_ لم تأخذ الحركة بعين الاعتبار المستوى العلمي لمحكمة فقه القضاء وكان واضحا غياب آلية التناظر الصناعي (من خلال بعض الاسماء التي شملتها الحركة او لم تشملها)
_ لم تخلُ الحركة من تصفية الحسابات الشخصية مع من اعتبرهم المجلس خصوما له ساهموا من وجهة نظره في تعطيل ارسائه من بعض اعضاء الهيئة الوقتية للقضاء العدلي وكذلك من الجمعياتيين حتى ولو كانوا في صف المناصر دون الانتماء، وكذلك مع من اعتبرهم احد اعضاء المجلس خصوم التاريخ من اعضاء المكتب التنفيذي لجمعية القضاة الذين تم "انتخابهم" سنة 2006 بعد ازاحته بأمر سياسي.
_ احياء تكريس الممارسات الجهوية القديمة من خلال احتكار قضاة المحكمة الابتدائية بتونس (3) وقضاة المحكمة الابتدائية باريانة (2) لخطة التحقيق بالقطب القضائي المالي وإغلاقه في وجه غيرهم من المحاكم الاخرى
_ التعامل مع بعض الخطط القضائية كحقِّ بقاء مكتسب لبعض الأسماء دون باقي القضاة مثل الخطط بالادارة المركزية او مركز الدراسات القضائية والقانونية لتجد قضاة تجاوزوا مدة عشرة سنوات في نفس المركز، ويتولى المجلس ارجاع كل من استبعدته الهيئة سابقا لغاية فتح المجال لغيره.
ومع ذلك،
_ حاول المجلس ان يُطعم ظاهر الحركة بالتنصيص على تنفيذ بعض الاحكام الادارية (وليس جميعها) والتي لا تُؤثر على المشهد القضائي. وفي نفس الاتجاه ان يَظهر بمظهر الحياد والتجرد ازاء احد أهم معارضيه وتعيينه في خطة رئيس دائرة بمحكمة التعقيب (رئيس المرصد) في حين يتجاهل مطالب الباقي رغم استيفاء الجميع للمعايير التي اعلن عنها المجلس (الرئيسة السابقة والرئيسة الحالية لجمعية القضاة مثلا)
_ استجابت الحركة لغالبية مطالب النقلة ممن توفر فيهم شرط الثلاث سنوات دون اجراء لتناظر شخصي بين الطالبين (على غرار اعطاء الاولوية للمرأة القاضية ثم المتزوجة ثم الام ثم المسافة بين محل السكنى ومركز العمل كما كانت تفعل الهيئة)
كما لم تراع الحركة مبدأ التوازن بين مختلف محاكم الجمهورية من حيث حاجتها للاطار القضائي فاصبحت بعض المحاكم تضم اطارا قضائيا يزيد على حاجتها مقابل افراغ محاكم اخرى ( مثل محكمة الاستئناف بالكاف او قفصة) لتجد دوائر جنائية بدون مستشارين.
في الاخير
لم ينس المجلس مكافأة تنسيقية الهياكل التي ساندته عند ازمة ارساء المجلس الاعلى للقضاء بجميع مراكزها من القيادة الى القاعدة وكان هذا بيّنا بصورة مفضوحة (مثال اسوقه من المحكمة الابتدائية التي اشرف عليها فقد تقدمت 6 قاضيات بطلب خطة قضائية استجاب المجلس لـ 3 من المنتميات للنقابة فقط وتجاهل البقية رغم كفاءتهن)،الامر الذي سيكون من اثاره:
_ الشعور بالحيف وخلق الانقسام بين قضاة المحكمة الواحدة كما كان الشأن سابقا
_ الاقتناع بان الانتماء الهيكلي هو الوسيلة السحرية الوحيدة للتقرب من موقع القرار والظفر بالمسؤوليات.

ليلى الزين رئيسة المحكمة الابتدائية بمنوبة وعضو سابق بالهيئة الوقتية للقضاء العدلي


للمشاركة في الدورة التكوينية حول المسؤولية المجتمعية للمؤسسات على ضوء المواصفة القياسية أيزو 26000 اضغط هنا


أو للمشاركة في الدورة التكوينية حول نظام مكافحة الفساد حسب المعيار الدولي أيزو 37001 اضغط هنا


 
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الخميس, 07 أيلول/سبتمبر 2017 10:37
  • حجم الخط

فيديوهات قضاء نيوز

Loading Player...

تابعونا على الفايسبوك



تابعونا على تويتر

خريطة الموقع

للإتصال بنا

العنوان : 29 شارع المنجي سليم باردو

الهاتف : 224 224 71

الفاكس : 244 224 71

البريد الإلكتروني : marsed.kadha.tn@gmail.com