حول كتاب : شهادات الفاعلين الثقافيين في بناء الدولة الوطنية منذ الاستقلال بقلم الاستاذ عبد الجليل التميمي

لا شك أن الذاكرة الوطنية لا تتعلق بالجانب السياسي فحسب حتى وإن كان ذلك يشكل نقطة جذب للكثيرين، وإنما هي في حقيقة الأمر ملتقى لعدد من الذاكرات لعل أبرزها وأهمها الذاكرة الثقافية، هذا فضلا عن الذاكرة النقابية والصناعية والنسائية وغيرها, وهذا ما اهتممنا به في إطار سمينارات الذاكرة الوطنية منذ انطلاقتها قبل عشرين سنة من الآن. وبالنسبة للذاكرة الثقافية تحديدا، فهي تستمد شرعيتها من أهمية مكانة الثقافة وخاصة في البلدان المتقدمة، باعتبارها معيارا حقيقيا للتقدم ولمساهمتها في بناء المواطن الجديد، وقد أولينا هذه الذاكرة مكانة خاصة ضمن برامجنا، بحرصنا على استضافة عدد من الفاعلين الثقافيين ممن كان لهم دور كبير في البناء الثقافي للدولة الوطنية، وهو ما لا يمكن التغاضي عنه أو التنقيص من قيمته، رغم تغوّل السياسي والمالي والصناعي على غيره من المجالات والقطاعات الفاعلة حقا.
وللتذكير فقد توفقنا في نشر بعض نصوص الذاكرة الثقافية في كتاب صدر عن المؤسسة بعنوان : شهادات الذاكرة الثقافية حول الفنون واللغة والهوية، وضم 11 نصا لعدد من الرموز الثقافية الطلائعية أمثال علي بن عياد والرسام الهادي التركي ومحمد مزالي عندما أثار ظروف إنشاء التلفزة التونسية وذكريات للصحفي الفلسطيني منير شماء حول تجربته الشخصية في الإذاعة التونسية بعد الاستقلال, وحسين التريكي والصادق بلعيد حول مشاريع تربوية وثقافية مع التركيز على مكانة اللغة العربية, ولم نكتف بهذه الحصيلة الأولى حول أهمية الذاكرة الثقافية في بناء الدولة الوطنية، بدعوتنا لرموز ثقافية شملت مجالات مختلفة : المسرح والسينما والأدب والموسيقى والتراث وليست هذه المجالات في قطيعة بطبيعة الحال مع السياسة والمجتمع والثورة. وبقدر ما كانت تلك السمينارات متنوعة من حيث المجالات، فقد حضر فيها العنصر النسائي بشكل إيجابي وهذا ما منح الذاكرة الثقافية شيئا من الانفتاح. إذ المرأة التونسية كانت حاضرة على الساحة الثقافية والصحفية بأكثر فاعلية من حضورها على الساحة السياسية، ونذهب إلى الاعتقاد أن الذاكرة الثقافية النسائية تناشدنا لتأطيرها والاهتمام بها مستقبلا. وفي هذا الإطار فقد استضفنا كلا من السيدتين سلمى بكار ورجاء بن عمار، للإدلاء بجزء من شهادتهما حول المسرح والسينما، وهناك العديد من القيادات النسائية ممن أبلين في مساقات الحركة الوطنية وهذا ما تؤكده شهادات أخرى للبعض من المدعوين لدينا.
وتضمن الكتاب الجديد نص مميز جدا للأستاذ البشير بن سلامة والذي بفضله تحقق عدد من الإنجازات الثقافية الاستثنائية والتي كانت ومازالت تحتل مكانة جوهرية واحترافية لمضامين الثقافة في المجتمع التونسي عندما راهن على الثقافة كسلطة رابعة ووازنة في تتويج المسار التنويري الإيجابي، ومازال سي البشير منذئذ يتابع عن قرب ديناميكية التحرك الثقافي في بلادنا، وهو ما تجسم مع البرامج التي أطلقها عندما كان على رأس الوزارة والتي استطاع بفضلها أن يترك بصمات غائرة في الميدان، وكان مختلفا عن سابقيه ولاحقيه من الوزراء. ذلك أن الثقافة والسياسة ثنائية وتبقى دائما في حاجة إلى البحث والدراسة وهو ما يمكن تلمسه سواء من خلال استضافة الجامعي حمادي الرديسي الذي تناول علاقة المثقف بالسلطة أو من خلال بقية السمينارات التي نشطها فاعلون ثقافيون ميدانيون.
أما في باب المسرح، فقد استدعت مؤسستنا كلا من المنصف السويسي ومحمد إدريس والمنصف الصايم ورجاء بن عمار. واحتضنت أحد مؤرخي المسرح التونسي المنصف شرف الدين الذي تكلم عن البدايات الأولى للمسرح وصلاته بالغرب وبالشرق معا، متحدثا عن الفرق المسرحية وعن الممثلين رجالا ونساء، وعن المسرحيات والجمهور والدور الوطني الذي قام به المسرح. أما المنصف السويسي فقد نقل إلينا جزءا من مغامراته وتجربته المسرحية في تونس وبعض البلدان العربية والخليجية بصفة أخص. أما محمد إدريس فقد تحدث عن تكوينه وعن تجربته، وفي كلا الشهادتين نوه المنصف شرف الدين كان التنويه بالحبيب بورقيبة كفاعل يحتل مكانة محورية في سياق الذاكرة الثقافية، ذلك أن المسرح والسياسة لا ينفصمان، سواء من جهة التأثير في الشعب بواسطة المسرح أو من جهة الرقابة التي كانت مسلطة على المسرح حتى لا يتجاوز الخطوط المرسومة له.
لم تكن السينما في قطيعة عن السياسة، وهو ما نستشفه بكل يسر من شهادة السينمائية سلمى بكار التي بدأت في السينما وانتهت إلى السياسة كعضوة في المجلس الوطني التأسيسي. إلا أن المطلع على هذا الكتاب الجديد الصادر عن مؤسستنا لا يمكن أن يفوته السيمنار الذي نظمناه حول محمد القويضي الملقب بفؤاد سليم، وهو أحد أقدم السينمائيين التونسيين رغم أن اسمه غير معروف. وأن ما حال دون حضوره آنذاك هو حالته الصحية، وقد توفي في الأثناء سنة 2013. ونذهب إلى الاعتقاد أن فؤاد سليم لم يقع لا تكريمه ولا إحلاله المكانة اللائقة به وهذا على الرغم من دوره الطلائعي في البدايات الأولى للأفلام القصيرة, ومازال عالقا في ذهني الحديث التلقائي الذي دار بيننا في هذا المجال عندما وعدني بمدي بنسخة من هذه الأفلام التوثيقية الأولى وتعد بالمئات.
كذلك يضم هذا الكتاب سمينارا لم يتسن لنا نشره في حياة صاحبه وهو الأستاذ أبو القاسم محمد كرو أحد أعلام الثقافة في بلادنا بما نشره من كتب تهم تاريخنا الثقافي والأدبي والفكري. وما تعرض له في حياته من استيلاء على أحد إنتاجاته الثقافية وقد فصلها القضاء بإدانة مرتكب هذا السطو مقابل غرامة مالية !
كما تفرع محتوى هذا الكتاب إلى مجال التراث المكتوب من خلال تجربة أحد أهم المحققين التونسيين وهو السيد عبد الحفيظ منصور وتجربته في مجال تحقيق المخطوطات وخاصة منها العلمية. وأما التراث الموسيقي، فقد ضم الكتاب سيمنارا ثانيا مع الحبيب بوغرارة وهو أحد الهواة بجمع هذا التراث الموسيقي والعارفين به وبكنوزه، ومازلت أتذكر زيارتي لبيته حيث اكتشفت أن لديه مخزونا موسيقيا استثنائيا غطى كل فترات ازدهاره وبصفة خاصة حفظه لكل التراث الموسيقي لليهود التونسيين، وما على وزارة الشؤون الثقافية، في اعتقادي، إلا منحه عنايتها واهتمامها لصون الذاكرة الموسيقية، إذ يعد الوحيد من احتفظ لنا بقاعدة بيانات ثمينة ومهمة جدا في هذا الاختصاص. وأما ميدان الكتابة والكتاب فقد اهتممنا به من خلال السيمنار الذي شارك فيه كل من الأديب المرحوم رضوان الكوني والشاعر سوف عبيد، عندما ألقيا أضواء كاشفة عن اتحاد الكتاب التونسيين والتطورات التي عرفها في علاقة برجال الأدب وبالسلطة.
إننا لم نكتف فقط بتسجيل الذاكرة الثقافية من الفاعلين المباشرين لها وإنما حرصنا كذلك على تسجيل الحوارات التي دارت بين كل المدعوين والمشاركين, وهذا لعمري ما أكسب هذا الكتاب الثاني قيمة ثقافية إضافية, عززت ولا شك جميع النصوص الثمينة حول الذاكرة الثقافية والتي نشرت تباعا في المجلة التاريخية المغاربية وأن لدينا نصوصا أخرى لم نتمكن من إدراجها وسنعمل مستقبلا على تجميعها في كتاب ثالث حول الذاكرة الثقافية.
* * *
كلمة أخيرة أوجهها إلى السيد محمد زين العابدين، وزير الشؤون الثقافية والذي أحطناه علما بقرب صدور هذا الكتاب الجديد حول الذاكرة الثقافية. ونحن نؤمل تفضل الوزارة بدعم نشر هذا الكتاب والعمل على تعميم توزيعه على المكتبات العمومية ببلادنا، ذلك أننا في السابق نسحب 100 نسخة فقط, وهذا بسبب عدم دعم كل منشوراتنا في الماضي، فالشكر موصول للأستاذ الوزير الذي وعدنا بفتح صفحة جديدة للشراكة العلمية بين الوزارة والمؤسسة.
والشكر كذلك إلى كل الضيوف الذين قبلوا دعوتنا وساهموا مساهمة فاعلة في إثراء الحوار الثقافي.
تونس في 04 نوفمبر 2016 عبد الجليل التميمي
****************************************************************************************
كشاف الموضوعات
1 - القسم العربي الصفحة
- د. عبد الجليل التميمي. – مستقبل الذاكرة الثقافية في المنظومة الوطنية..................... 7
- سيمنار مع الأستاذ البشير بن سلامة حول: دور الثقافة في مدلولها الشّامل كسلطة رابعة في دستور الجمهورية الثانية ..................................................................................... 11
- سمينار مع الأستاذ المنصف شرف الدين حول بدايات المسرح قبيل وبعد الاستقلال بتونس . 55
- سمينار مع سي المنصف السويسي حول : جدلية مساهمة المسرح في اندلاع الثورة التونسية وأي دور للمسرحيين للدفاع عنها خلال الثلاث سنوات من عمرها .................................... 85
- سمينار مع سي محمد إدريس حول : الضمير الوطني عبر النصوص والمحاور التي عالجها المسرح التونسي من 1962 إلى 2011 ....................... ........................... 125
- سمينار مع السينمائية سلمى بكار حول إنجازاتها السينمائية ونشاطها السياسي في حزب المسار وفي المجلس التأسيسي .................................................................................... 157
- سمينار مع باعثي الفضاء الثقافي Mad'Art : المنصف الصايم والسيدة رجاء بن عمار.................................................................................................. 205
- سمينار مع سي الحبيب بوغرارة حول : نبش في الذاكرة الموسيقية التونسية ..................... 229
- سمينار حول المثقف والسلطة مع د. حمادي الرديسي ........................................ 261
- سيمنار مع الباحث والمحقق عبد الحفيظ منصور حول : مسيرته مع المخطوطات العربية (1958-2015) ............................................................. 297
- لقاء مع المرحوم أبو القاسم محمد كرو حول تاريخ الثقافة في تونس ..... 335
- سمينار حول بداية الذاكرة السينمائية التونسية : مع المؤسس الأول لها وأبرز رجالات تونس في هذا الفن المرحوم محمد القويضي الملقب بفؤاد سليم
349
- سمينار الذاكرة الوطنية الثقافية حول اتحاد الكتاب التونسيين مع الكاتبين رضوان الكوني وسوف عبيد .......... 367
- كشاف أسماء المجموعات والأعلام ........................................ 403
- كشاف الأماكن الجغرافية .................................................. 419
- منشورات المؤسسة ....................................................... 423
2 - القسم الفرنسي
- د. عبد الجليل التميمي. – مستقبل الذاكرة الثقافية في المنظومة الوطنية.

من منشورات مؤسسة عبد الجليل التميمي للبحث العلمي و المعلومات /نوفمبر2016

قيم الموضوع
(0 أصوات)

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة

فيديوهات قضاء نيوز

Loading Player...

تابعونا على الفايسبوك



تابعونا على تويتر

خريطة الموقع

للإتصال بنا

العنوان : 29 شارع المنجي سليم باردو

الهاتف : 224 224 71

الفاكس : 244 224 71

البريد الإلكتروني : marsed.kadha.tn@gmail.com