يعتبر القضاء من أهم المهن في المجتمع الحديث فهو سلطة مستقلة تفصل في النزاعات بين الناس وقد تطورت الحياة في جميع المجالات ونتج عن ذلك تغيّر عميق في العلاقات بين الأفراد والمؤسسات وظهرت صيغ جديدة من المعاملات أحدثت تشعّبا في الوضعيات القانونية.

والقضاء كغيره من المجالات لا بد أن يواكب التطورات والمستجدات والمتغيرات التي يشهدها العالم ويتفاعل معها بإيجابية.

وفي هذا الإطار يشهد العالم منذ سنوات ثورة تكنولوجية شملت كل الميادين أصبح بفضلها العالم قرية صغيرة واختزلت المسافات فيها والإجراءات.

ولا يبدوا القضاء في العالم بمعزل عن هذا خاصة في ظل ظهور ما يسمى بالمحاكم الإلكترونية ، “Les Cyber-Tribunauxأو “e-courts” أو المحاكم المعلوماتية في البلدان المتقدمة تبنت إحداث محاكم رقمية وتعصير المنظومة الإعلامية للمحاكم العادية من أجل التخفيف من اكتظاظ المحاكم وتوفير عناء التنقل للمتقاضين واستغلال الوقت من قبل المحامي لدراسة الملفات.

لا ينكر أحد في تونس البطء في العمل القضائي وفي التعامل مع مختلف أنواع القضايا سواء الجزائية منها أو المدنية وفي مختلف مراحلها الابتدائية  و الاستئنافية والتعقيب.

وطول أمد التقاضي الذي قد يصل إلى سنتين أو ثلاث وربما أكثر في بعض القضايا والذي كثيرا ما يثير شكوى من قبل المتعاملين مع السلطة القضائية من محامين ومواطنين ومن قبل العاملين بهذه السلطة من قضاة يعانون من تكدس الملفات وضيق الوقت للفصل فيها وحتى ضيق المكان في الوقت الذي يمكن أن تجد فيه في مكتب واحد ثلاث أو أربع قضاة ومن كتبة محاكم يعانون من كثرة الأحكام القضائية وضرورة رقنها في ظل عدم توفر الآلات اللازمة لذلك ناهيك عن النقص الكبير في عدد القضاة سواء منهم في القضاء الجالس أو قضاة النيابة العمومية.

فنظام الدعاوى الورقية التقليدية الحالي في تونس يشهد عديد السلبيات منها صعوبة الإطلاع على الدعاوى من قبل الخصوم، وصعوبة تبادل التقارير مع إمكانية التلاعب بوسائل الإثبات وخاصة منها الكتائب بالتدليس والزور 

ولعل الحل في هذا المجال يكون بالاستئناس بتجارب الدول المقارنة وخاصة التجارب الناجحة والمتفردة منها والتي من ضمنها تجربة ” المحكمة الالكترونية ” التي يتعين توضيح ملامحها الكبرى وسبل تطبيقها في ميدان القضاء.

تعريف المحكمة الالكترونية : 

يمكن تعريف المحكمة الالكترونية بأنه انتقال من تقديم الخدمات والمعاملات والتقاضي من الشكل التقليدي إلى الشكل الإلكتروني من خلال شبكة الإنترنت وذلك بتكامل كافة الأجهزة القضائية، والأجهزة والهيئات المعاونة له# ، من أقسام الشرطة وعدول التنفيذ والإشهاد والمحامين والخبراء  والمترجمين المحلفين .

ويختلف هذا المفهوم عن مفهوم الحكومة الالكترونية الذي يعني الاستخدام الفعال لتقنيات المعلومات والاتصالات لتسهيل العمليات الإدارية اليومية للقطاعات الحكومية والداخلية والتي تجري داخل الحكومة أو بينها وبين المواطن ورجال الأعمال #

ويقترب من مفهوم التقاضي الإلكتروني الذي يقصد به عملية نقل مستندات التقاضي إلكترونياً إلي المحكمة عبر البريد الإلكتروني حيث يتم فحص هذه المستندات بواسطة الموظف المختص وإصدار قرار بشأنها بالقبول أو الرفض وإرسال إشعار إلي المتقاضي يفيده علماً بما تم بشأن هذه المستندات#.

إيجابيات المحكمة الالكترونية :

من أهم الإيجابيات التي يمكن أن تحملها المحكمة الالكترونية هي :

  • السرعة والدقة بالنسبة للمتقاضين إذ أن تفعيلها سيعفي من التخلف عن حضور الجلسات وتقلل النفقات وتسهل الاستعلام عن المعاملات القضائية المختلفة مما يخفف من الازدحام في المحاكم.

  • التوثيق الالكتروني للدعاوي و الدفوعات والتقارير.

  • توفير الوقت والجهد بالنسبة إلى القضاة : بالاستفادة من البرامج الالكترونية التي تحتوي على النصوص القانونية والاجتهادات القضائية لإصدار حكمه.

  • تعويض الأرشيف القضائي الورقي بأرشيف رقمي يتسع لجميع المعلومات ويشغل حيزا مكانيا بسيطا مقارنة بالأكداس الضخمة للأحكام القضائية بجميع محاكم البلاد ويساهم في تجنب فقد الملفات وتلفها.

صور المحكمة الالكترونية :

إن التطبيقات المختلفة للتكنولوجيا في العمل القضائي أفرزت صورتين للمحكمة الالكترونية الصورة الأولى تتعلق بالمحكمة بوسائل الكترونية أما الصورة الثانية فتتعلق بالتحكيم الالكتروني.

  • المحكمة بوسائل الكترونية : وتكون هذه الصورة بتطويع تقنيات المعلومات والاتصال لإنجاز إجراءات التقاضي أمام المحاكم وذلك بتحويل الإجراءات الاعتيادية إلى إجراءات الكترونيةوهو ما يسمح بتقصير أمد التقاضي وتخفيف تعقيدات التبليغ كما يمكن للمحامي تلقي طلبات المحكمة على البريد الالكتروني.   

  • المحكمة الافتراضية – التحكيم الالكتروني : التحكيم الذي تتم إجراءاته عبر شبكة الانترنت وذلك كبديل لتسوية المنازعات عبر شبكات الاتصال دون الحاجة لوجود الأطراف المتنازعة في مكان واحد 

تجارب تطبيقية للمحكمة الالكترونية :

ظهرت أولى تطبيقات المحكمة الالكترونية في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لتسوية منازعات التجارة الالكترونية عن طريق التحكيم الالكتروني منذ سنة 1996 وذلك تحت إشراف مركز القانون وأمن المعلومات وبدعم من جمعية المحكمين الأمريكيين ومعهد قانون القضاء والمركز الوطني لبحوث المعلوماتية الأمريكي.

وقد أعطى هذا المشروع دفعا لحل النزاعات المتعلقة بالانترنت عن طريق وسيط معتمد ” القاضي الافتراضي” لدى المركز يقوم بالتحاور مع أطراف النزاع عن طريق البريد الالكتروني للفصل في النزاع في ظرف 72 ساعة # .

كما أنشأت الصين محكمة الكترونية بالاعتماد على برنامج حاسوبي متطور من أجل حفظ القوانين والأحكام القضائية واتبعتها في هذا التمشي دولة سنغافورة التي أنشئت محكمتها الالكترونية في 17 سبتمبر 2000 وهي محكمة ذات طابع تحكيمي تختص بالنزاعات المتعلقة بالتجارة الالكترونية والنزاعات المتعلقة بالملكية الفكرية على الانترنت#.

أما في الدول العربية فمازالت الخطوات خجولة في سبيل تعصير عمل المحاكم وجعلها مواكبة للتطورات التكنولوجية الحديثة ونفس الحال يتعلق بتونس إذ تقتصر الوزارة على موقع رسمي لوزارة العدل تنشر فيه نشاط الوزير وبعض النصوص القانونية والقرارات القضائية والنماذج القانونية لبعض المطالب والدعاوي القضائية وهو نفس التمشي الذي تتبعه دولة المغرب القريبة منا لكن مع تفردها بإنشاء مركز لتتبع الشكايات وتحليلها يقدم فيه المواطنين شكاياتهم ويتم إعلامه فيما بعد عبر البريد الالكتروني برسالة تتضمن رقم الشكوى والرقم السري الخاص بها لمعاينة الإجراءات المتخذة بشأنها ومآلها.

          إن تفعيل التكنولوجيا بالشكل الذي يضمن جودة الخدمات وسرعة إنجازها يعتبر ضرورة والمحكمة الالكترونية باعتبارها منظومة عصرية يمكن أن تكون حلا ناجعا يمكن تركيزه مع النظر في سبل حمايتها معلوماتيا باتخاذ التدابير اللازمة لمنع التعدي على بيانات المحكمة الالكترونية وللمحافظة على خصوصية المعلومات وجزائيا بتجريم أي صورة من صور التعدي على بيانات المحكمة الالكترونية.


أهم المراجع :

الدكتورة صفاء أوتاني ، المحكمة الالكترونية ( المفهوم والتطبيق ) ، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية ، المجلد 28 – العدد الأول – 2012.

المحامي عبد الحميد الحميداني ، الحكومة الالكترونية – مفهومها نطاقها وعناصرها ، 

القاضي ” طاهر أبو العيد ”  ” المحاكم الالكترونية في مصر نحو تحول نوعي لقضاء عصري ” مقدمة للمؤتمر العلمي المشترك بين جامعتي الأهرام الكندية وسيناء حول هندسة نظم المؤسسات “

 

الأستاذ رمزي محمدي – دارس بالنسة الثانية بالمعهد الأعلى للمحاماة

 المصدر موقع نقطة قانونية