الدراسات

07 نيسان/أبريل 2016 كٌن أول من يعلق!

شغل صراع المفاهيم بين ثنائية الكونية والموروث الإنساني من جهة والخصوصية الثقافية والهوية من جهة أخرى الجانب الأكبر من النقاش العام حول موضوع الحريات والحقوق خلال المرحلة التأسيسية أي مرحلة صياغة نص دستور الجمهورية التونسية الثانية. وانتهى التوافق الوطني لأن يعلن الدستور التونسي إلتزامه بقيم حقوق الانسان السامية في بعدها الكوني .وقد أعطى النص الدستوري حمايته السامية للمبادئ الكبرى لحقوق الانسان في الباب الثاني منه. كان ينتظر تبعا لذلك أن تكون حقبة ملاءمة التشريعات مع روح دستور الجمهورية الثانية حقبة تنقية للقديم من التشريعات من الأحكام التي تمس الحريات وتخالف نص الدستور. كما كان ينتظر أن تكون ذات الحقبة حقبة اقتراح لمشاريع قوانين تجسد حقوقا أعلنت ولم يتوضح بعد مدلول ممارستها. لكن ما كان منتظرا لم يتحقق لاعتبارات موضوعية .

غيرت الانتخابات التشريعية الخريطة السياسية بتونس فأنهت التجاذب بين الشق الذي دافع عن كونية حقوق الانسان والشق الذي تمسك بالخصوصية الثقافية خلال الحقبة التأسيسية. وأنتجت أغلبية أكبر وأكثر تجانسا ذات توجه براغماتي شعارها إدارة المرحلة بعيدا عن المشاريع الكبرى. التقى توجه الأغلبية مع تطورات أمنية كبرى تمثلت أساسا في انتقال الأحداث الإرهابية من المناطق الجبلية إلى المدن في استهداف واضح لمقومات الإقتصاد.
تغير المزاج السياسي وتطور الوضع الأمني سلبيا. فكان الأثر المباشر لذلك أن تحوّل مضمون السؤال حول حقوق الانسان ليكون إلى أي حدّ يمكن القبول بحقوق الانسان في مواجهة التهديد الارهابي والاضطرابات الاجتماعية والسياسية.

اعتبر الخطاب السياسي المهيمن إطلاق الحريات من أسباب تطور نشاط الجماعات المتطرفة كما عد ذات الامر سببا في تطور الاضطرابات الاجتماعية وتعطيل السير العادي للمؤسسات ودواليب الاقتصاد من قبل من احتموا بالحرية ليفرضوا سلطتهم خارج نطاق القانون. ووجد هذا الطرح صدا له في المنظومة التشريعية وفي الادارة السياسية للدولة ليتحول فرض الأمن والحماية من الارهاب هاجسا يتقدم على البحث علة تطوير منظومة حقوق الانسان (أ).وان كان هذا التوجه الذي يفسر بأثر الخوف من الارهاب ليس خاصية تونسية، فإن حداثة الديموقراطية التونسية تفرض الدعوة للعودة إلى الدستور لتبين ضوابط تحقيق التوازن بين الأمن والحرية بعيدا عن فوبيا الخوف (ب).

أ – البحث عن الأمن يفرض " قانون الصمت "

صادق مجلس نواب الشعب التونسي بتاريخ 25-07-2015 في أجواء احتفالية على القانون الاساسي عدد 26 لسنة 2015 المتعلق بمكافحة الارهاب ومنع غسل الأموال. كشف اختيار تاريخ المصادقة على هذا القانون الذي صادف عيد الجمهورية أن المشرع بات يعتبر بقاء الجمهورية يرتهن بمكافحة الارهاب (1) وأعلن رئيس الجمهورية التونسية بتاريخ 4 جويلية 2015 حالة الضرورة التي طبق بمناسبتها الأمر عدد 50 لسنة 1978 المتعلق بتنظيم حالة الطوارئ والذي ارتبط بالممارسات القمعية على إثر أحداث 26 جانفي 1978 فكان الارتداد إلى مدلول الطوارئ في ظل الحكم الاستبدادي مؤشرا هاما (2).

قانون مكافحة الإرهاب: بين الهاجس الأمني والحفاظ على الحريات

انتصر القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 7 أوت 2015 والمتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال للتصور الأمني الذي اعتبر أن التصدي للإرهاب يستدعي إجراءات بحث استثنائية تنطلق من تمديد مدة الاحتفاظ بالمشتبه به إلى خمسة أيام يمكن التمديد فيها مرتين لذات المدة.

كما اعتمد القانون  مصطلحات فضفاضة وغير دقيقة في تعريف الأنشطة الإرهابية والتوسّع فيها كاعتبار الإضرار بالممتلكات الخاصة والعامة من قبيل الأعمال الإرهابية، بما قد يؤدي لاحقا لاستغلاله في تضييق الحرية بدعوى الحاجة لقمع الارهاب. وأسند المشرع علاوة على ذلك لسلطات التحقيق في إطار البحث والتحري عن الجرائم الإرهابية صلاحيات واسعة قد تنال من الحقوق والحريات وخاصة من حقّ حماية المعطيات الشخصية والحياة الخاصة للأشخاص المكفولة بالفصل 24 من الدستور[1] إذ يسمح هذا القانون بمراقبة الهواتف والتنصّت بالصوت والصورة على الحياة الخاصة للأفراد وذلك عن طريق المراقبة السمعية البصرية لذوي الشبهة.[2]

إعلان حالة الطوارئ والتضييق من بعض الحريات

خوّلت أحكام الفصل 80 من الدستور لرئيس الجمهورية اتخاذ تدابير استثنائية وذلك في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها بحيث يتعذر السير العادي لدواليب الدولة. ولإعلان حالة الظروف الاستثنائية، لابدّ من توافر شروط موضوعية. ونعني بها وجود تهديد أو خطر يمس بسلامة الدولة ويمنع السير العادي لدواليب الدولة، وتوفر شروط شكلية إذ يتعين على رئيس الجمهورية استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب وإعلام المحكمة الدستورية باتخاذ التدابير الاستثنائية.

ولا شكّ بأن من شأن إعلان حالة الطوارئ أن يحدّ من الحريات الفردية كحرية التنقّل المكفولة بالفصل 24 من الدستور، كما يمنح سلطات واسعة للأجهزة الأمنية إذ يمكّنها مثلاً من منع التجمّعات وغلق مرافق ووضع أشخاص رهن الإقامة الجبرية والقيام بمداهمات للمنازل المشتبه بوجود خطر ما فيها. وتعرّف حالة الطوارئ بكونها نظاما يمكن تطبيقه بقانون على كامل تراب الوطن أو على بعضه ويمتاز بتوسيع في الصلاحيات العادية للشرطة الإدارية وما يترتّب عنه من تضييق نطاق ممارسة الحريات.

وبحسب تقرير مرصد الحقوق والحريات حول الإقامة الجبرية التي تعرّض لها مجموعة من التونسيين بناء على قرارات من وزارة الداخلية على إثر تفجير حافلة الأمن الرئاسي في 24 نوفمبر 2015فقد وضعت الوزارة المعنية 138 شخصا قيد الإقامة الجبرية. والمثير للاهتمام هو أن رئيس الجمهورية أعلن في بعض المناسبات حالة الطوارئ وحظر التجول بالاستناد إلى ما خوّله له الدستور الجديد رغم غياب النصّ التشريعي الناظم للمسألة. وقد استند إلى أحكام الأمر عدد 50 لسنة 1978 المتعلق بتنظيم حالة الطوارئ والذي يعتبر من الناحية القانونية لاغياً ولا عمل عليه لاستناده في اطلاعاته إلى أحكام الفصل 46 من الدستور القديم. فضلاً عن ذلك، فإن تنظيم حالة الطوارئ بوصفها تحدّ من بعض الحقوق والحريات على غرار ما سبق بيانه يجب أن يكون بمقتضى نصّ تشريعي وليس ترتيبياً.

ب  العلاقة بين ممارسة الحريات ومتطلّبات الأمن العام: كيف تكون تكاملية؟

يختزن مصطلح الأمن الكثير من الأبعاد والجوانب في حياة الفرد والمجتمع. والرؤية الأمنية السليمة هي تلك التي تحول دون اتخاذ إجراء أو ممارسة فعل يفضي إلى خلخلة الواقع المجتمعي كزعزعة السكينة والطمأنينة لدى الأفراد بممارسة وسائل قمعية والإلتجاء إلى العنف. فالأنظمة الإستبدادية تمثّل الأرضية الملائمة لتنامي العنف واختراق جهاز الأمن. إذ لا يجب أن ننسى أن تحقيق الأمن ومكافحة الإرهاب كان في السابق ذريعة للمساس من بعض الحريات على غرار حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وهو من العوامل التي أدت إبان الثورة إلى تزايد حالات التطرف التي أدت بشكل مباشر إلى تنامي ظاهرة الإرهاب في تونس.

وعلى ضوء هذه الرؤية هناك علاقة عميقة وجوهرية تربط بين مفهومي الأمن والحرية بحيث أن المجتمع الذي تحترم فيه الحقوق والحريات هو المجتمع الذي يمتلك عوامل أمنه واستقراره. أما المجتمع الذي تمارس فيه السلطة السياسية أساليب القمع والاضطهاد فإنه يتوفر على ظروف من شأنها أن تهدّد أمنه.

لا شكّ بأن هنالك التزاماً على عاتق الدولة باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية كقاعدة عامة. إلا أن هذا الالتزام ليس مطلقاً بل يجوز تقيده، أي يجوز للدولة التحلل الجزئي من بعض التزاماتها في حالة الحرب أو الظروف الاستثنائية أو غيرها من المخاطر التي تحيط بها والتي تهدد نظامها العام. ولكن هذا التحلل الجزئي للدولة يجب أن يكون وفق ضوابط وشروط محددة بحيث لا يترك للسلطة بشكل تقديري ومنفرد تحديد تلك الضوابط والشروط كي لا تجور على الحقوق والحريات الأساسية للأفراد. وهو ما يحيلنا إلى التمعّن في أحكام الفصل 49 من الدستور.

الفصل 49 من الدستور وحلّ معضلة الموازنة بين الأمن والحرية

أسند الفصل 49 من الدستور للمشرع صلاحية تحديد الضوابط المتعلقة بالحقوق والحريات المكفولة دستوريا وممارستها بشرط عدم المساس بجوهرها، فالأصل هو الحرية والاستثناء هو تقييدها لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير أو لمقتضيات الأمن العام أو الدفاع الوطني أو الصحة العامة أو الآداب العامة. كما كرّس الفصل المذكور مبدأ التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها. فإذا كانت الدولة تحت ضغط الظروف الاستثنائية، فلها تقييد وتضييق الحقوق والحريات بشرط أن يكون ذلك بالقدر الضروري لمواجهة الخطر الذي يهدد أمن واستقرار المجتمع.
ويعتبر هذا الفصل في حدّ ذاته، في صورة فهم واحترام مقتضياته[3]، ضمانة أساسية للأفراد من كلّ عمل قد يستبطن إلغاء الحقوق والحريات أو تقييدها بدون موجب.

ومن هذا المنطلق يتّجه التأكيد على نسبية الحريات، فالحريات بوجه عام لا يمكن أن تمارس إلا في مجتمع آمن مستقر ولا يمكن الاعتراف بحرية عامة مطلقة وإنما بحرية نسبية تتوقف على مدى تعارضها ومتطلبات المجتمع. فيتعين التوافق بين متطلبات المجتمع وحرية الفرد والتوافق بين الحريات العامة والنظام العام. فالإشكال القانوني المتعلق بالحرية الفردية مرتبط بطبيعة الحياة الاجتماعية التي تتكون من عنصرين متلازمين ولكنهما في الآن نفسه متناقضان تناقضاً جوهرياً. فمن جهة يتكوّن المجتمع من أفراد ويحاول كل فرد أن ينمّي فرديته، ومن جهة أخرى، يكوّن المجتمع كلاّ متماسكاً لا يمكن للفرد العيش خارجه ولا بدّ من المحافظة على نظامه واستقراره. فالمجتمع يقوم على توازن غير مستقر بين هذين العنصرين. فإذا اختلّ التوازن لفائدة النظام والسلطة نتجت الكليانيّة والتسلط وإذا اختل التوازن لفائدة الفرد، نتجت الفوضى.[4]

دور القضاء في تكريس الموازنة المطلوبة

إن فقه القضاء يجب أن يرتكز على فكرة التوازن العادل بين السلطة والحرية، بين المصلحة العامة التي ترمي السلطة إلى تحقيقها والمصلحة الخاصة للأفراد المتمثلة في ضمان وحماية حقوقهم وحرياتهم.ومن هذا المنطلق فإن القضاء الإداري مطالب في ظلّ ما تمرّ به البلاد من ظروف استثنائية بضمان حقوق الأفراد من خلال دوره في مراقبة مشروعية الأعمال الإدارية.[5]

من جهة أخرى يجد القضاء العدلي نفسه أمام رهان تحقيق المعادلة المطلوبة بين مكافحة الإرهاب وحماية الحقوق والحريات باعتباره متدخّلا رئيسيا ومسؤولا عن تطبيق القانون وذلك بإرساء فقه قضاء نوعي واعتماد تصوّر يقطع مع التطبيق الآلي للنصّ القانوني كالإلتجاء إلى تطبيق المعاهدات الدولية لتحقيق الموازنة المطلوبة بين المقاربة الأمنية والحقوقية.




[1] الفصل 24 فقرة 1 من الدستور: "تحمي الدولة الحياة الخاصة، وحرمة المسكن، وسرية المراسلات والاتصالات والمعطيات الشخصية".

 [2]  الفصل 61 من القانون الأساسي المتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال: "في الحالات التي تقتضيها ضرورة البحث يمكن لوكيل الجمهورية أو لقاضي التحقيق بحسب الأحوال أن يأذن بمقتضى قرار كتابي معلّل لمأموري الضابطة العدلية المكلّفين بمعاينة الجرائم الإرهابية المنصوص عليها بهذا القانون بوضع عدّة تقنية بالأغراض الشخصية لذوي الشبهة أو بأماكن أو محلات أو عربات خاصة أو عمومية بغاية التقاط وتثبيت ونقل كلامهم وصورهم بصفة سرّية وتحديد أماكنهم".

[3]  د. وحيد الفرشيشي، "حين حدّث الدستور ولم يقل"، المفكرة القانونية تونس، العدد 3، نوفمبر 2015

 [4]  رافع بن عاشور، "الحريات العامة في النظم الديمقراطية"، مجلة التسامح، العدد 25 لسنة 2009.

 [5]  يراجع مثلا الحكم الابتدائي عدد 18326/1 الصادر عن المحكمة الإدارية في 16 فيفري 2011 (موريس موييز الحرار ضد وزير الداخلية) "إن القرارات التي تصدرها الإدارة تطبيقا لهذه المقتضيات القانونية والمتضمنة التحجير على الأجانب من الدخول إلى التراب التوتسي تخضع لرقابة القاضي بغاية التأكد من سلامة مبناها الواقعي والقانوني ومن هذا المنطلق فإنه لا يمكن أن تكون السلطة التقديرية التي تمتلكها الإدارة في هذا السياق مدعاة للحد من حرية التنقل التي تعد من فئة الحريات الأساسية التي لا يمكن التقييد منها إلا في سياق ظوابط معينة وفي حدود ما يجيزه القانون وبالتالي فإن كل تقييد لهذه الحرية لا يكون إلا في نطاق المصلحة العليا للبلاد الراجع للسلط المعنية تقدير أبعادها ومتطلباتها تحت الرقابة القضائية".

نشر بالمفكرة القانونية بتاريخ 05 أفريل 2016

 

إقرأ المزيد...
06 نيسان/أبريل 2016 كٌن أول من يعلق!
 

تشرع جريدة الصباح اليومية بداية من اليوم - 06 أفريل 2016 - وعلى 12 حلقة دراسة أعدّها القاضي عمر وسلاتي – مستشار بالمحكمة الابتدائية وكاتب عام المرصد التونسي لاستقلال القضاء – حول "القضاء خلال مرحلة الانتقال الديمقراطي".

إقرأ المزيد...
02 نيسان/أبريل 2016 كٌن أول من يعلق!

تنتظر السلطة السياسية بفارغ صبر انقضاء شهر أفريل لتحتفي بإحالة وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس كمال بربوش على التقاعد بعد ان قررت عدم التمديد له بعد ان سبق لها التمديد لقضاة آخرين كانوا في خدمتها أو لم يكونوا حجر عثرة أمام سياساتها وقراراتها.

إقرأ المزيد...
29 آذار/مارس 2016 كٌن أول من يعلق!

عرّف الدستور التونسي في الفصل 15 منه الادارة العمومية من خلال دورها الوظيفي فذكر أنها – أي الإدارة العمومية - جهاز" في خدمة المواطن والصالح العام. تُنظّم وتعمل وفق مبادئ الحياد والمساواة واستمرارية المرفق العام، ووفق قواعد الشفافية والنزاهة والنجاعة والمساءلة".

إقرأ المزيد...
28 آذار/مارس 2016 كٌن أول من يعلق!

في  18-11-2011، فوجئ أساتذة كلية الآداب بمنوبة بغرباء يحتلون مداخل الأقسام ليمنعوا قسما كبيرا من الطلبة من اجتياز اختباراتهم بالقوّة بعد أن أغلقوا أبواب الأقسام. وشيئا فشيئا، تحوّلت الساحات إلى منابر لتكفير عدد من الأساتذة وللتهجّم على الإطار الجامعي لأنّه يمثّل ثقافةهيبنظرهم بقايا الاستعمار وهيمنة الثقافة الفرنسية والتغريبية.وانطلقت الحوارات والمشادات الكلامية بين الطلبة المؤيدين والرافضين  لهذا الاحتجاج، وبين الطلبة والأساتذة حول مسائل دينية تتعلق بالمنهج الجامعي وبالمسائل المدرّسة للطلبة وبالصلاة في الجامعة. وسرعان ما اتجهت النقاشات الحادة المفعمة بالحماس والتي تهدد بالعنف  صوب ما كان البعض يسميه بمشروع أسلمة المؤسسات التعليمية. وهكذا تحوّلت ساحات الجامعة إلى مجال مفتوح للمتنافسين على الزعامات والمتقمّصين شخصيات الدعاة.

كانت هذه الحركة إيذاناً بانتصاب محاكم للتفتيش تنبش في كل فكر وتجرّح في كل إبداع. وقد شاركت بعض هذه العناصر الجامعية مع عناصر أخرى متطرفة من خارج الجامعة في احتجاجات عنيفة متواترة. ومن الأمثلة على ذلك، الهجمات على سينما "أفريك آرت"-بسبب عرضها الفيلم المثير للجدل "لا ربي لا سيدي" في 26 جوان  2011(فيلم وثائقي حول مدى التزام الشباب التونسي بصوم رمضان)، وعلى مكاتب قناة "نسمة" التلفزيونية الخاصة بسبب بثّ الفيلم الفرنسي- الإيراني "برسيبوليس" في 9 أكتوبر 2011 (يصور الفيلم حوارا خيالا بين طفلة صغيرة وكائنا تعتبره إلها)، وعلى السفارة الأميركية للاحتجاج على فيلم أميركي اعتبر مسيئا للنبي محمد في14 سبتمبر 2012.كما اقتحم السّلفيّون بعد تهديداتهم النهارية ليلة 10 جوان 2012 قصر العبدلّيّة الحفصيّ بالمرسى الذي كان يحتضن عرض ربيع الفنون. دنسوا الأعمال الفنّيّة التي يعارضونها، ومُزِّقَت وخُربت حوالي عشر لوحات. وهي أعمال عدّها  المهاجمون خروجا عن الدين ولقوا مناصرة من وزير الثقافة نفسه الذي بذل جهداً لإيجاد تبريرات للمعتدين من باب اعتبار تلك الأعمال تافهة ولا تستحق العرض كما اعتبارها استفزازا لمشاعر الشعب.

وفي سنة 2012 أيضاً، كانت ساحة الجامعة الزيتونية شاهدة على حادثة اعتداء على المفكر والجامعي يوسف الصديق من قبل مجموعة قليلة من شباب الجامعة أرغمته على مغادرة المكان وسط شعارات تتهمه بالإلحاد. وفي "قليبية" وهي مدينة ساحلية قريبة من العاصمة، تعرض، في العام نفسه، الجامعي والفيلسوف يوسف الصديق إلى العنف اللفظي ومحاولة الاعتداء عليه على خلفية تقديم محاضرة حول «التعصّب الديني» رفقة الأستاذة الجامعية ألفة يوسف. لقد لاحقت تهمة التكفير المفكر يوسف الصديق دون هوادة، فكان في أكثر من مناسبةعرضة للاعتداء. وكمثال على ذلك، ما حصل خلال مناظرة فكرية جمعته في القيروان مع الشيخ عبد الفتّاح مورو، وهو من المؤسسين لحركة النهضة الإسلامية والمعروف باعتداله. وكان مآلها  قذف الشيخ "مورو" بكأس من البلّور على مستوى الوجه بسبب دفاعه على مُناظره الأستاذ يوسف الصديق.وفي هذا السياق، واجه الأساتذة عبد المجيد الشرفي ورجاء بن سلامة ونائلة السليني وغيرهم، حملات سب وذم وتحريض مباشر على العنف تجاههم بسبب أفكارهم وكتاباتهم. وبعد حملات التشويه التي وصلت حد التهديد الصريح بالقتل، اضطرت سنة 2014 د. ألفة يوسف إلى توقيع كتابها الجديد «ليس الذكر كالأنثى» تحت الحراسة الأمنية بعد اكتشاف مخطط لاغتيالها.وتعرّضت د. آمال قرامي أيضا  يوم 6 جانفي 2016 إلى اعتداء بالعنف الشديد في إطار حملة  "السيف المسلول على شاتم الرسول". واتهم الإعلامي بقناة "الزيتونة" ذات التوجه الديني الأصولي الأستاذة أمال القرامي بالكفر والإلحاد على خلفية تصريحات لها عن المثلية الجنسية ومساندتها للحرية الشخصية. وقد تخصصت  الأستاذة أمال القرامي في القضايا الدينية المحرجة من خلال بحثها في "قضيّة الردّة في الفكر الإسلامي: قديماً وحديثاً"، ومن خلال البحث في "ظاهرة الاختلاف في الحضارة العربية الإسلامية: الأسباب والدلالات". كما تعرض المفكر محمد الطالبي وهو من أبرز الوجوه الجامعية  إلى حملة تكفير عقب موقفه الأخير في جانفي 2016 حول الخمر والبغاء الذي أحدث زوبعة منقطعة النظير. وقد أكد الطالبي أن قوله بأن القرآن لا يتضمن تحريماً صريحاً للخمر والبغاء هو «مجرد رأي وليس بفتوى ملزمة» غير أن  هذا لم يشفع له أمام سياط القذف واللعن والتجريح.

وتجدر الإشارة إلى أن منتجات كليّات الآداب والعلوم الإنسانية في تونس كانت في السابق عرضة للتكفير والتشهير اذا ما تجاسرت على وضع ما عُدّ من "الثوابت" في دائرة السؤال والمراجعة. فكانت سهام النقد من المتخصصين وغير المتخصصين موجّهة بصفة خاصّة إلى أساتذة الحضارة بالجامعة التونسيّة. غير أنّ الملاحظ اليوم هو تضخّم عمليّات التشويه لأولئك الجامعيّين باستغلال العاطفة الدينيّة العامّة واعتماد منهج أخلاقي بالأساس يلفت أنظار النّاس إلى مواقف مقتطعة من سياقات بحثية كبيرة بغاية استفزاز الرأي العام وتأليبه ضدّ الفكر التقدّمي في الجامعة بل والتحريض عليه.        

واللافت للنظر في هذه الأسماء التي ذكرناها في هذا المقال أنّ أغلبها هم من المشتغلين على الفكر الديني بمنهجيّة تختلف جوهريّا عن الفكر التقليدي. وعلى الرغم من تعدّد زوايا النظر التي ينطلقون منها، يطرقون جميعاً أبواب البحث من جهة الفكر المتشبّع بقيم الحداثة والتقدّم، وهي القيم التي يعاديها الفكر المتشبث بقناعات الماضي وبديهياته والفزِع من أي تأويل مختلف للإسلام، خاصّة إذا طال هذا التأويل النصوص المؤسّسة: القرآن والسنّة النبوية.

    في سبيل الذهاب أبعد من التشريعات 

ينص دستور 27 جانفي  2014  في فصله 33 على أن «الحريات الأكاديمية وحرية البحث العلمي مضمونة " وذلك في باب  الحقوق والحريات. كان ذلك نتيجة نضال مستميت خاضه الجامعيون من أجل دسترة حق الجامعي في أن يمارس التدريس والبحث والنشر والتعبير بكامل الحرية.  كما خاض المثقفون في تونس معركة حاسمة من أجل إقرار الدستور التونسي ما بعد الثورة بمبدأ حرية المعتقد والضمير وذلك في الفصل السادس  منه.إلا أن المسالة ليست دستورية فقط اذ أنه من الواجب تنزيل هذه المبادئ على مستوى النصوص القانونية،  ولكن أيضا على مستوى التشريعات الخاصة في سبيل إشاعة مبدأ الحصانة الأكاديمية في حدود البحث العلمي ونشر نتائجه ومخرجاته والعمل على إقرارها في القوانين الأساسية والمواثيق الأكاديمية، مع رفع كافة التضييقات المسلطة على الأكاديميين ووضع حد للانتهاكات الخطيرة التي يتعرض لها المجتمع الأكاديمي. وهذا الأمر يحتاج إلى أبعد من التشريعات أي إلى إشاعة مناخ الحرية والفكر النقدي والقبول بالاختلاف ونبذ العنف سواء في الأسرة أو في المؤسسات التربوية من خلال المناهج التعليمية أو في البيئة الاجتماعية عموماً.

نشر بالمفكرة القانونية بتاريخ 25 مارس 2016

 
إقرأ المزيد...
23 آذار/مارس 2016 كٌن أول من يعلق!

لقد خطفك الفراق الأبدي ولقد افتقدتك من جانبي وأنا طريح الفراش نتيجة غيبوبة المرض وتبعاته حتى جاء الخبر اليقين بفراقك الأبدي فانهمرت الدموع من مقلتي حارة.

إقرأ المزيد...
10 آذار/مارس 2016 كٌن أول من يعلق!

اجتاحت صور “سيلفي” تداولها جنود تونسيون مع جثث الإرهابيين الذين تم القضاء عليهم، يوم الاثنين 7 مارس في مدينة بنقردان جنوب تونس، مواقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك".ولقيت صور "السيلفي" ترحيبا واسعا من قبل رواد مواقع التواصل التونسيين، منوّهين بمجهودات الجيش في حماية البلد من الإرهاب وببسالته.ولم يصدر إلى حدّ اليوم الثلاثاء 8 مارس أيّ تعليق من وزارة الدّفاع التونسية حول هذه الصورة. كما لم يقع التأكد من صدقيتها. إلا أن ما يهمنا هنا هو ردود أفعال التونسيين التي أظهرت كثيراً من الفرحة المخلوطة بالشماتة والتشفيمن العناصر الإرهابية التي حاولت إقامة قاعدة لعملياتها في هذه المنطقة الرخوة .

قد نتفهم الأمر بصعوبة ولكن...

من الصعب جدا أن يسير الإنسان في الاتجاه المعاكس. كما أنه من الصعب أن يصدح بالحق حين تصطدم الكلمة بالعواطف المتأججة. و لكن بعيدا عن ثورة الأعصاب التي تساهم وسائل الإعلام في نشرها هذه الأيام في تونس والتي تكاد تدين كل من يشير إلى الطابع السيئ لهذه الصورة، فإنه من الضروري أن نتوقف عند هذا المشهد لنبين خلفيّاته. فقد يتفهم الإنسان وإن بصعوبة شديدة فرحة جنود صغار أكثرهم من المنتدبين الجدد بانتصارهم على أعدائهم من الإرهابيين. بل ربما يتفهم التجاءهم إلى هذا التعبير عن الفرحة بأسلوب السيلفي الذي انتشر بشكل مذهل. ولا شك أن كثيرا من النساء والرجال يلتقطون صور "سيلفي"، "لأنهم يرغبون أن تكون لديهم صور جميلة لأنفسهم".

"إنها  في الأخير بمثابة كلمة جميلة نوجهها إلى أنفسنا، وهي جانب النرجسية في ثقافتنا كما تؤكد على ذلك كل التقارير الخاصة بظاهرة الصورة الشخصية ".

إلا أننا نحتاج هنا إلى أن نقدر طبيعة هذه الصورة الملتقطة من جنودنا في ضوء الأسئلة الأساسية التي تثيرها لا في ضوء الإجابات السريعة والقاطعة التي تنشرها وسائل الإعلام تهييجا للرد العام وتعبئة له ضد الإرهاب كما يعتقد البعض. إن طمأنينة الإجابات المدافعة عن تصرف جنودنا لا تلغي قلق السؤال. فمن حقنا أن نشك في جدوى المشهد كما أنه من حقنا أن نقول أن إدانة الصورة بشكل قاطع وحاسم بلا أي تردد ليست بالضرورة  دليلا على انعدام الوطنية أو علامة على التعاطف مع الإرهابيين كما يحلو للبعض أن يصرّح بذلك.

صور السيلفي الصادمة 

حتى تنظيم داعش نفسه لم يصمد أمام هذا الإغراء المرضي. فهاهم مسلحوه يظهرون مع ضحاياهم في صور سواء كان الضحايا أحياء أو أمواتا بالإضافة إلى صور إعدامات تقدم في مسرحة عالية الجودة من الإخراج الفني، من قطع رؤوس الناس، وإغراقهم، وحرقهم، إلى تكسير عظامهم.بل يقال إن ياسين الصالحي المتورط في جريمة ليون بفرنسا التقط صورة لنفسه مع رأس ضحيته وهو مديره وأرسل بها إلى شخص يعتقد أنه يحارب مع التنظيم في سوريا. فما ما علاقة صورة جنودنا بكل ذلك؟ بل ما علاقتها بالصور التي شاهد العالم بأسره البعض منها وهي لجنود أمريكيين في العراق تم التقاطها مع جرحى وجثث؟ والكثير من هذه الصور تظهر معتقلين عراة أوثقوا مع بعضهم البعض وهم ملقون على الأرض. وتوجد صور لرجال عراة سجناء كوموا فوق بعضهم بينما وقف جنود أمريكيون حولهم في فرحة المزهو بنفسه وببطولاته. ولا يتردد أيّ منّا في وصف هذه الصور وفظائعها باعتبارها جزءاً من "فظائع العصور الوسطى". كما أنه لا أحد يتردد في إدانتها.

هل نحن مع صور الجنود التونسيين مع الجثث التي هلّل لها البعض وعرضوها باعتبارها دليل انتصار ضد الإرهاب؟ هل نحن بصدد الإنسياق نحو هواية مريضة تنتشر في وسائل إعلامنا هذه الأيام وهي تتمثل في التنكيل بالجثث والتعود على رؤية الأدمغة المتناثرة والأمعاء المتدلية واللحم البشري المقطع؟هل هي سادية العقل الجمعي المقدسة باعتبارها سلوك المجموعة بكل ما تعنيه من الانقياد لسلوك العنف والتشفي والهمجية، دون كثير من التفكير في عواقب ذلك؟ هل استبد بنا هذا المرض حتى صارت وسائل إعلامنا الرسمية المملوكة للدولة تعرض رؤوس الضحايا مثلما فعلت ذلك القناة الوطنية بعرضها لرأس الراعي المقتول على يد الإرهابيين وهي  الصورة التي أثارت اشمئزاز الجميع وأدانتها الهيئة العليا المشرفة على القطاع السمعي والبصري؟ رغم التبريرات والحجج في كون الإرهابي مجرما خطيرا جدا على المجتمع التونسي برمته، فإن ردة فعل الجنود التونسيين تكاد تتوافق مع نفس المنطلقات التي نزعم التصدي لها. ففي أي شيء نختلف عن الإرهابيين حين نمارس مثلهم نفس الأساليب ونفس مرض التلذذ بالقتل؟ أيا كان المقتول، فللجثة حرمتها حتى ولو كانت لإرهابي قاتل ومجرم. والصورة المعروضة من قبل جنودنا دليل دامغ على القدرة البشرية المأساوية على الاستمتاع بصور الموت وهي في آخر الأمر إخلال صريح بشرف البدلة العسكرية لجندي نظامي، يفترض أنه درّب على الحرفية والالتزام بأخلاقيات الحرب. وهو ما يستدعي في نظرنا تحقيقا وتشددا من وزارة الدفاع حول صدقية الصورة وحول من أخذها وروّج لها. فمن غير المقبول أن يقترن الدّفاع عن المجتمع في مواجهة خطر الإرهاب (وهو أمر حيوييّ وأساسيّ) بالتماهي مع أيّ شكل من الأشكال الهمجية للغرائز البشرية.

نشر بالمفكرة القانونية بتاريخ 09 مارس 2016

 
إقرأ المزيد...
04 آذار/مارس 2016 كٌن أول من يعلق!
كثيرة هي الأسماء التي أُطلقت مؤخرا على الاعتصام الذي شنته النقابات الأمنية في ساحة القصبة التونسية مقر رئاسة الحكومة باعتبارها مركزا من مراكز السيادة الوطنية حيث وُصفت العملية بأنها انقلاب على الشرعية وتمرّد خطير جدا على الدولة. من "غزوة القصبة" إلى "تمرد النقابات" إلى "انقلاب الأمنيين" إلى "عودة دولة البوليس" وصولا إلى "جريمة بوليس بن علي"... هي التسميات التي أطلقتها الفضاءات التواصلية التونسية في تفاعل نادر مع الحدث الأخطر اليوم في واقع البلد الذي يشق طريقه بصعوبة في محيط إقليمي ودولي عاصف عنوانه الأبرز الإرهاب ولا شيء غير الإرهاب. 
إقرأ المزيد...

فيديوهات قضاء نيوز

Loading Player...

تابعونا على الفايسبوك



تابعونا على تويتر

خريطة الموقع

للإتصال بنا

العنوان : 29 شارع المنجي سليم باردو

الهاتف : 224 224 71

الفاكس : 244 224 71

البريد الإلكتروني : marsed.kadha.tn@gmail.com