مساهمة القاضي الإداري التونسي في حماية الحريات الأساسية للباحث في القانون العام السيد رمزي الكوكي

  • الأربعاء, 30 آب/أغسطس 2017 07:56
  • نشر في الدراسات
  • قراءة 107 مرات

 مقدمة:

تعتبر رقابة القاضي الإداري على أعمال الإدارة ضمانة هامة من ضمانات حماية الحريات الأساسية وذلك لخصوصية هذه الرقابة، ويتميز هذا القاضي ببسط نظره على الشرعية و الملائمة أو التناسب وهو ما يبرز من خلال أحكام صادرة عن المحكمة الإدارية في هذا الإطار والتي يمكن عبرها الحديث عن تقاليد في مجال حماية الحريات الأساسية.

والمتابع للقضاء الإداري يدرك بصفة جلية أنه قضاء متطور يزيد من نطاق اختصاصه خطوة بعد خطوة في هدوء وثبات ولعل الهدف العام من تطور الرقابة القضائية على تصرفات الإدارة هو التوسع في نطاق المشروعية من ناحية والتضييق من السلطة التقديرية للإدارة بقصد كفالة التوازن بين حماية الأفراد وحرياتهم وتمكين الإدارة من تحقيق أغراضها التي تشهد تعقيدا متسارعا، وتمثل نقطة التوازن في هذا الصدد المشكلة الأساسية باعتبار أنها ليست ثابتة ولا جامدة فهي متحركة يحركها القاضي الإداري متأثرا بكل العوامل والاعتبارات القانونية والعملية والسياسية المحيطة به وكذلك آخذا بعين الاعتبار حياة الأفراد.

إن عدم إنصاف الإدارة أحيانا وإن كان يقطع على المحكمة استراحتها إلا أنه يدفعها إلى استنباط وإعمال مبادئ العدل والإنصاف لتتصدى لتعسف الإدارة عند استعمالها امتيازات السلطة العامة (1)، وبناء على ذلك اتسعت رقابة القاضي الإداري تدريجيا لتشمل الرقابة على أهمية وخطورة الوقائع أو ما يعرف برقابة الملائمة أو رقابة التناسب حيث لا تقف عند النظر في التقيد بالشرعية فحسب بل تتعدى ذلك إلى ما هو أبعد منه وتستند إلى مقاربة أوسع اعتمادا على العديد من النظريات والمبادئ لمواجهة السلطة التقديرية للإدارة والحد منها وهو ما يعطي للقاضي الإداري آليات أوسع وأنجع لحماية حقوق الأفراد.

وبالرجوع لفقه قضاء المحكمة الإدارية نجد أحكاما يمكن اعتبارها علامات مضيئة في تاريخ القضاء الإداري التونسي، وهو ما يؤكد ويبرز مساهمة القاضي الإداري التونسي في حماية الحريات الأساسية وهو مجال بحثنا ولعل اختيار هذا الموضوع يتنزل في إطار تسليط الضوء على جانب يستحق النظر والوقوف على توجه المحكمة الإدارية في تونس في مجال حماية الحريات الأساسية الذي يدخل في صميم أهداف وغاية هذا الصنف من القضاء والمتمثل في السعي لحماية حقوق الأفراد من تعسف الإدارة.

وتجدر الإشارة في هذا الصدد أن اقتصار موضوع البحث على اختصاص النظر في دعوى تجاوز السلطة دون غيرها من اختصاصات المحكمة الإدارية وتم الاعتماد على بعض الأحكام الصادرة عنها والتي يمكن أن تفيد وتثمن موضوع المقال وتدعمه مرده أن إطار بحثنا لا يتسع ولا يسمح بالتطرق لكل المجالات المتصلة به والتعمق أكثر.

وللتطرق لموضوع مساهمة القاضي الإداري التونسي في حماية الحريات الأساسية سنحاول في جزء أول إبراز حماية القاضي الإداري التونسي للحريات الأساسية من خلال رقابته على شرعية أعمال الإدارة (أولا) لنمر في جزء موالي للتعرض لرقابة الملائمة أو التناسب المسلطة على بعض الأعمال الإدارية باعتبارها آلية لضمان الحريات الأساسية (ثانيا).

الجزء الأول: القاضي الإداري حامي للحريات الأساسية من خلال رقابة الشرعية:

إن إقرار واعتراف القاضي الإداري بعلوية الحريات الأساسية وحصانتها باعتبارها تكتسي قيمة دستورية واعتماد الدستور كمصدر أساسي لمبدأ الشرعية أعطى هذه المكانة للحريات الأساسية.

ولعل اقتناع المحكمة بأهمية مكانة الدستور كمصدر من مصادر القانون الإداري هو الذي دفعها إلى اعتماده بثبات ووضوح لتفحص شرعية الأعمال الإدارية (2).

إضافة إلى أن هذا التمشي من المحكمة الإدارية ينبني على أساس تقاطع القواعد الدستورية مع المبادئ العامة القانونية وكذلك مع مبادئ المرفق العام.

حيث أن الرقابة على شرعية أعمال الإدارة من قبل القاضي الإداري يمثل طوقا لحماية الحريات الأساسية بصنفيها الفردية منها والجماعية.

وتجدر الإشارة أن رقابة الشرعية المسلطة من قبل القاضي الإداري ترتبط بطبيعة الأعمال الإدارية محل الطعن حيث تكون نابعة من اختصاص مقيد للإدارة.

الفرع الأول: مساهمة القاضي الإداري في حماية الحريات الأساسية الفردية عبر رقابة الشرعية على أعمال الإدارة:

حرية اختيار مقر الإقامة:

يعتبر الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية في قضية بن عاشور ومن معه ضد وزير التربية والتعليم العالي والبحث العلمي (3) من أشهر الأحكام الجريئة التي أقرت فيها المحكمة الإدارية استنادها صراحة لأحكام الدستور في النظر في شرعية قرار إداري وقد اعتبرت المحكمة في هذه القضية أن شرط إقامة كل مترشح ناجح بمكان مركز تعيينه المنصوص عليه بالفصل السابع من قرار وزير التربية والتعليم العالي والبحث العلمي (المؤرخ في 20 أكتوبر 1986 المتعلق بفتح دورة انتداب أساتذة محاضرين في القانون العام والعلوم السياسية ) مخالفا لأحكام الفصل العاشر من دستور غرة جوان 1959 حيث نصت أحكامه على ” أن لكل مواطن حرية اختيار مقر إقامته في حدود القانون “.

واعتبرت أن حرية اختيار مقر الإقامة وهي من الحريات العامة والحقوق الأساسية التي ضمنها الدستور للمواطن ولا يمكن تقييدها أو الحد منها إلا بنص تشريعي وفي إطار الشروط التي حددها الفصل السابع منه، حيث تتضمن أحكامه ضوابط للحد من الحقوق التي تتخذ إلا بقانون لاحترام حقوق الغير ولصالح الأمن العام والدفاع الوطني ولازدهار الاقتصاد وللنهوض الاجتماعي.

واعتبارا لاستناد الطاعنين في القرار الإداري المذكور في الدعوى على مقتضيات الفصل العاشر من دستور 1959 لم تترد المحكمة في القضاء لصالحهم وألغت الفصل السابع من القرار المطعون فيه.

إضافة إلى ذلك فإن استناد المحكمة الإدارية على أحكام الدستور لإقرار حرية اختيار مقر الإقامة قد تم بناء على عدم وجود نص قانوني يقر صراحة بوضع قيد على هذه الحرية، وهو ما يعرف بنظرية القانون الحاجب La théorie de la loi écran، وهو ما يعني أنها لو وجدت قانونا يكرس في أحكامه واجب الإقامة بمركز العمل كالنظام الأساسي العام لأعوان الوظيفة العمومية أو النظام الأساسي الخاص المنطبق لطبقته مباشرة واعتبرته شرعيا على غرار النظام الأساسي العام لأعوان الديوانة الذي تتضمن أحكامه قيدا على حرية اختيار مقر الإقامة، .، كما يطالب بعض الأعوان بالإقامة بجهة معينة فقد نص الفصل العاشر من القانون عدد 70 لسنة 1982 المؤرخ في 6 أوت 1982 على أن” أعوان قوات الأمن الداخلي ملزمون بالإقامة بالمكان الذي يباشرون فيه عملهم إلا في صورة إذن استثنائي ومؤقت من وزير الداخلية”، ونص الفصل 21 من القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية على أن” القضاة ملزمون بالإقامة بمركز المحكمة التابعين لها لكن يمكن لكاتب الدولة للعدل منح ترخيص فردي بما يخالف ذلك”.

وقد اعتبرت المحكمة صراحة ضمن حكم سناء الغرياني ضد وزير المالية (4) أنه ” يجوز للقاضي الإداري مراقبة مدى مطابقة القرارات الإدارية للدستور طالما لم تستند إلى نص تشريعي”.

وفي هذا الإطار تجدر الإشارة أن المحكمة الإدارية حرصت أثناء اعتمادها على الدستور كمصدر للشرعية على عدم الخوض في مجال مراقبة دستورية القوانين.

كما أن القاضي الإداري ميال بطبعه للتوسع في مجالات نظره وفي مصادر الشرعية التي يرتكز عليها وذلك سعيا لحماية الأفراد من تعسف الإدارة حيث تعتبر الحقوق والحريات الأساسية وان لم تكرس صراحة في نصوص تشريعية من المبادئ القانونية العامة.

حقوق الدفاع:

بالإضافة إلى ما سبق رصده في قرار بن عاشور من حماية لحرية اختيار مقر الإقامة من قبل القاضي الإداري يبرز دوره كذلك في حماية حقوق الدفاع بوصفها من الحريات الأساسية المكفولة سواء في دستور غرة جوان 1959 حيث كرس الفصل 12 منه صلب أحكامه على أن المحاكمة تكفل الضمانات الضرورية للدفاع عن النفس.

وهو ما أقره كذلك دستور 27 جانفي 2014 في الفصل 27 منه الذي كرس المحاكمة العادلة مع توفير ضمانات الدفاع.

والى جانب دسترة هذا الحق تجدر الإشارة إلى اعتبار مبدأ حق الدفاع من المبادئ العامة للقانون التي يسعى القاضي الإداري لحمايتها وضمان علويتها حيث اعتبرت المحكمة الإدارية في حكم قضية الغريسي ضد وزير الدفاع الوطني (5) على ” إن احترام حقوق الدفاع مبدأ قانوني عام يتعين على الإدارة أخذه بعين الاعتبار والعمل به”.

وقد برز دور القاضي الإداري في حماية حقوق الدفاع في العديد من الأحكام ونذكر في هذا الإطار القضية عدد 982 أحمد الزيادي ضد وزير الدفاع الوطني(6) حيث اعتبرت ” وإن لم تتضمن أحكام الفصل 24 من القانون عدد 20 المؤرخ في 31 ماي 1967 المتعلق بضبط القانون الأساسي العام للعسكريين ما يفيد وجوب إحالة العسكري المتعاقد على مجلس التأديب قبل اتخاذ قرار فسخ عقده لسبب تأديبي، فإن احترام حقوق الدفاع مبدأ قانوني عام يتعين على الإدارة أخذه بعين الاعتبار والعمل به بتمكين كل عون يكون موضوع تتبعات تأديبية من الدفاع عن نفسه والرد على التهم المنسوبة إليه وإن لم يتضمن قانونه الأساسي أحكاما تقتضي ذلك”، وقد استندت المحكمة الإدارية في إلغائها للقرار المطعون فيه والقاضي بفسخ عقد تطوع العارض على خرق مبدأ احترام حقوق الدفاع .

والجدير بالملاحظة هو أن قرار “أحمد الزايدي” لم يكن أول حكم صادر عن المحكمة الإدارية أقرت فيه صراحة مبدأ حقوق الدفاع فقد كرست هذا المبدأ في عدة مرات خاصة في المادة التأديبية في أولى قراراتها الصادرة في الموضوع في الحكم الصادر في قضية علي مبارك ضد وزير الصحة العمومية (7) مستعملة صراحة وبوضوح مصطلح “حق الدفاع” معتبرة إياه “قاعدة أصولية عامة” (8).

وتكمن أهمية قرار أحمد الزايدي في كونه جاء ليضع فكرتين أساسيتين تعكسان توجهات المحكمة الإدارية في ما يتعلق بمبدأ حقوق الدفاع وهي تثبيت هذا المبدأ باعتباره مصدرا من مصادر الشرعية في القانون الإداري أولا و إعطائه بعدا توسعيا ثانيا.

وقد أقر القاضي الإداري أن احترام حقوق الدفاع في كامل المراحل التي تسبق اتخاذ القرار واجبة وذلك من خلال اتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية هذا الحق معتبرا إياها مكتسية صبغة الشكلية الجوهرية حسب ما جاء بالفصل 7 من قانون غرة جوان1972 وقد تم تفصيل هذه الإجراءات في كامل مراحلها في قرار محمد زروق ضد وزير السياحة والصناعات التقليدية حيث اعتبرت المحكمة أن ” من بين المبادئ القانونية العامة المستقرة فقها وقضاء مبدأ احترام حقوق الدفاع في مادة العقوبات الإدارية الذي يخضع إلى إجراءات تتسم بصبغتها الحضورية وتقتضي من جهة الاتصال المباشر بالمعني بالأمر وإعلامه مسبقا بما يعاب عليه والعقوبة المنجرة في شأنه، ومن جهة أخرى تمكينه من الدفاع عن نفسه شفاهيا أو كتابيا بخصوص الأفعال المؤاخذ من أجلها بعد منحه أجلا كافيا للغرض”(9).

وقد تجاوزت المحكمة الإدارية المجال التأديبي في تكريسها لحقوق الدفاع لتشمل مادة الضبط الإداري فقد اعتبرت في الحكم الصادر في قضية العريبي ضد رئيس بلدية الزهراء (10) أن ” استدعاء المخالف لسماعه يعد من الإجراءات الأساسية التي من شانها أن تؤدي إلى إبطال قرار الهدم ذلك أن هذا الإجراء يعتبر ضمانة أساسية لفائدة المخالف تفتح له إمكانية تسوية وضعيته قبل اتخاذ البلدية لقرار الهدم(11).

إضافة إلى إقرار هذا الحق في مجال الوظيفة العمومية خارج إطار المجال التأديبي والأمثلة عديدة في فقه قضاء المحكمة الإدارية.

وفي نفس إطار رقابة الشرعية على تصرفات الإدارة يبرز كذلك دور المحكمة الإدارية في حماية الحريات الأساسية الجماعية وهو ما سنتطرق له من خلال بعض التطبيقات الفقه قضائية في تونس.

الفرع الثاني::مساهمة القاضي الإداري في حماية الحريات الأساسية الجماعية عبر رقابة الشرعية على أعمال الإدارة:

الحق في المساواة:

يعتبر مبدأ المساواة أو الحق في المساواة أساسا لكل الحقوق والحريات ولعل هذا يبرز من خلال إقراره في توطئة الدستور باعتباره مبدأ تنبني عليه الجمهورية الثانية فقد نص دستور 27 جانفي 2014 على أنه ” وتأسيسا لنظام جمهوري ديمقراطي تشاركي … وتضمن فيه الدولة علوية القانون واحترام الحريات وحقوق الإنسان واستقلالية القضاء والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع المواطنين والمواطنات والعدل بين الجهات”.

إضافة إلى ذلك نص الفصل 21 من الدستور”على أن المواطنون متساوون في الحقوق والوجبات وهم سواء أمام القانون”‘ وهو ما تضمنه كذلك دستور غرة جوان 1959 في فصله السادس.

ولعل أهمية هذا المبدأ تنبع من تعدد وتنوع تطبيقاته: المساواة أمام القانون، المساواة أمام الضرائب وبصفة عامة أمام الأعباء العامة، المساواة أمام الوظيفة العمومية أو المساواة في المعاملة أثناء المسار المهني، المساواة في التصويت…(12).

هذا ما جعل القاضي الإداري لا يتردد في الاستناد على هذا المبدأ في إصدار أحكامه المسلطة على أعمال الإدارة، ولعل فقه قضاء المحكمة الإدارية يزخر بعديد الأحكام الصادرة في هذا المجال والمتميزة بالعمق والدقة، وفي هذا الإطار قدم تعريفا واضحا لهذا المبدأ ضمن الحكم الصادر في قضية نقابة أعوان البنك المركزي ضد محافظ البنك المركزي لسنة 1989 معتبرا أن ” مبدأ المساواة يقصد به عدم التفرقة بين أفراد الفئة الواحدة إذا تماثلت مراكزهم القانونية ” (13).

إن عدم التمييز بين أفراد نفس الفئة الواحدة وتمتعهم بنفس الحقوق وخضوعهم لواجبات متماثلة هو ما يظهر واقعا في التعامل معهم على قدم المساواة دون اجتهاد ذاتي من الإدارة وبالتالي يجب أن يكون هذا التعامل موضوعيا مرتكزا على المشروعية دون غيرها.

وهو ما يبرز في الحكم الصادر في قضية بوعبدلي ضد وزير التعليم العالي سنة 2002 حيث اعتبرت المحكمة الإدارية أن ” قرار وزير التعليم العالي المؤرخ في 15 أوت 1996 والمتعلق بضبط المعايير التي تسند على أساسها معادلة الشهادات والعناوين جاء خارقا لمبدأ المساواة لما ميز بين طالب المعادلة المقيم بالخارج مع والديه وبين نظيره المقيم بالخارج بمفرده، ذلك أنه لا يجوز طبق ما استقر عليه الفقه والقضاء إحداث الأصناف ضمن المجموعة الواحدة وبالتالي التمييز بينها إلا بالاعتماد على معايير موضوعية تكون مستمدة ومرتبطة بالحق المطالب به، ضرورة أن المعيار المستحدث لا يتعلق بقيمة الشهادة المراد معادلتها ولا بمحتوى التكوين الذي تلقاه المعني بالأمر ” (14).

واعتبرت المحكمة الإدارية في الحكم الصادر عنها في قضية بن عمار ضد وزير التجهيز سنة 1999 أن “مبدأ المساواة يخضع إلى مبدأ المشروعية ولا يمكن التمسك به إلا في حدود ما تجيزه النصوص الجاري بها العمل “(15).

إن مبدأ المساواة باعتباره من الحريات الأساسية المكفولة وذات القيمة الدستورية واعتبارها من المبادئ القانونية العامة فرضت على القاضي الإداري النظر في شرعية القرار الإداري المطعون فيه للبحث في مدى احترام القرار للمشروعية وعدم تعسف الإدارة في استحداث قواعد العمل والاجتهاد الذي من شأنه المس من هذا المبدأ وقد أكدت المحكمة الإدارية بصفة قطعية عدم جواز اعتماد الإدارة على مقاييس في التعامل مع الأفراد تخالف التشريع حيث اعتبرت في الحكم الصادر في قضية التوكابري ضد وزير التعليم العالي سنة 1999على أنه ” إذا لم يقتض المشرع معايير انتقائية لترسيم الطلبة بالمرحلة الثالثة فإنه لا يجوز للمؤسسة التعليمية وضع معايير من تلقاء نفسها لانتقاء المترشحين وإلا كان ذلك الإجراء مخالفا لمبدأ المساواة ” (16).

الحق النقابي :

يعتبر الحق النقابي من بين الحريات الأساسية الجماعية ذات أهمية بالغة لكونه يتعلق بحماية الشغالين وارتباطه بالدفاع عن حقوقهم وقد أولت السلطة التأسيسية قيمة عليا لهذا الحق وتم تكريسه في دستور 27 جانفي 2014 بصفة جلية ضمن الحريات الأساسية المكفولة دستوريا حيث نص الفصل 35 منه على حرية تكوين النقابات وتضمن الفصل 36 في أحكامه على أن الحق النقابي بما في ذلك حق الإضراب مضمون.

وقد تبنى القاضي الإداري هذا التوجه وسعى لحماية مبدأ الحق النقابي ولعل ما جاء في الحكم الصادر في القضية عدد 139135 بتاريخ 26 جوان 2015 (الجامعة العامة التونسية للشغل ضد رئيس الحكومة ووزير الشؤون الاجتماعية) حيث تضمن نص الحكم إقرارا صريحا بالقيمة الدستورية للحق النقابي ويتمثل موضوع الدعوى في طعن هذه المنظمة النقابية في القرارات الضمنية للإدارة المتمثلة في رفض يتعلق بخصم معاليم اشتراك المنخرطين في هذه المنظمة وقرار ضمني يتعلق بتمكين نقابيي المدعية من التفرغ وإلحاقهم بها لتسيير أعمالها، وقرار رفض ضمني يتعلق بإسناد العارضة منحا تشجيعية، وقرار ضمني يتعلق بتشريك هذه المنضمة في التفاوض.

وقد اعتبرت المحكمة الإدارية أنه “وحيث تغدو ممارسة الحق النقابي والمطالبة بجميع الامتيازات والحقوق المترتبة عنه محكومة بالمبادئ الدستورية سالفة البيان ولباقي النصوص القانونية سارية المفعول المتطابقة أو المتلائمة مع الأحكام الدستورية”.

وحيث كفل التشريع الوطني بدوره الحق النقابي وتيسير ممارسته واستنادا على إباحة النصوص لكل التنظيمات النقابية أن تعامل على قدم المساواة من دون تمييز أو غبن من الجهات الإدارية وفق النصـوص القانونية والترتيـبية النافذة تفعيلا لتعددية نقابية حقيقيـة (17)، ولهذه الأسباب قضت المحكمة بإلغاء القرار المطعون فيه وبذلك أقر القاضي الإداري مبدأ التعددية النقابية.

وأكدت المحكمة الإدارية من خلال هذا الحكم أن احترام التعددية النقابية يفرض على الدولة ومؤسساتها عدم تمييز نقابة على أخرى وأكد القاضي الإداري مبدأ التعددية النقابية وبين ضرورة الالتزام بهذه التعددية في الممارسة الإدارية، وتكريس الحق النقابي في الواقع.

يعتمد القاضي الإداري في نظره في القرارات الإدارية المطعون فيها على أسلوبين ويختلف ذلك حسب طبيعة القرار فإذا كان نابعا من السلطة المقيدة للإدارة يعمل مراقبة الشرعية أما إذا كان القرار نابعا من السلطة التقديرية للإدارة يعتمد على رقابة الملائمة أو التناسب.

الجزء الثاني: القاضي الإداري حامي للحريات الأساسية عبر مراقبة الملائمة (التناسب):

لا يكفي أن يكون قرار الضبط الإداري جائزا قانونا أو أنه قد صدر استنادا على أسباب جدية إنما تتسع رقابة القضاء لبحث مدى اختيار الإدارة الوسيلة الملائمة للتدخل، فيجب أن لا تلجا لاستخدام وسائل قاسية أو لا تتلاءم مع خطورة الظروف التي صدر فيها ومن الضروري أن نتبين أن سلطة القضاء في الرقابة على الملائمة هي استثناء للقاعدة العامة في الرقابة على أعمال الإدارة فالأصل هو استقلال الإدارة في تقدير ملائمة قراراتها لكن بالنظر لخطورة قرارات الضبط على الحقوق والحريات فان القضاء يبسط رقابته على الملائمة.

ويمتد مجال رقابة القاضي الإداري على الملائمة إلى المجال التأديبي وذلك سعيا لتكريس مبدأ تناسب الخطأ المرتكب مع العقوبة التأديبية.

الفرع الأول: رقابة الملائمة أو التناسب على تدابير الضبط الإداري:

تتجلى طبيعة الرقابة على الملائمة أو التناسب والهادفة لحماية الحريات الأساسية خاصة في وجود قرارات إدارية نابعة من السلطة التقديرية للإدارة ولعل مادة الضبط الإداري من أبرز المجالات التي يمكن أن ندرك عبرها بصفة جلية هذا الدور للقاضي الإداري.

حيث تعتبر حرية التجارة والصناعة مبدأ أساسي لحرية المنافسة ومرتبطا بحرية المبادرة: la liberté d’entreprendre حيث اعتبرها مجلس الدولة الفرنسي من الحريات العامة التي يضطلع التشريع بتحديدها وتنظيمها ويستخلص ذلك من القرار الذي اتخذه المجلس في قضية sieur laboulaye بتاريخ 28 أكتوبر 1960، وقرار 16 ديسمبر 1988 حيث اقر المجلس انه ” تنص المادة 34 من دستور 58 على أن التشريع يحدد القواعد المتعلقة بالضمانات الأساسية الممنوحة للمواطنين لممارسة الحريات العامة والتي من ضمنها حرية ممارسة كل النشاطات المهنية التي لم تكن محل أي قيد”. وفي هذا الإطار تتنزل رقابة التناسب على تدابير الضبط الإداري من قبل القاضي الإداري حيث نجده في عدة قرارات صادرة في هذا المجال يكرس ضمنها ضمان حرية التجارة والصناعة.

حيث جاء بالقرار الصادر في قضية شركة كريشان وأبناؤه ضد بلدية القصرين (18) أن “الأصل في ممارسة التجارة والصناعة الحرية والتضييق منها هو الاستثناء والإدارة خاضعة في هذا المجال إلى رقابة القاضي التي تصل إلى حد التثبت من مدى تناسب تدابير الضبط المتخذة في إطارها مع الظروف التي حفت باتخاذها والظروف التي ترمي إلى تحقيقها “.

ويعتبر قرار الغرفة النقابية لشركات الإشهار(19) قرارا مبدئيا يمثل أول عمل صادر عن المحكمة الإدارية أقرت فيه صراحة مبدأ حرية التجارة والصناعة كمبدأ من المبادئ القانونية العامة التي تخضع لها الأعمال الإدارية (20).

حيث يفيد موضوع الدعوى أن رئيس بلدية تونس الحاضرة اتخذ قرار إزالة لافتات الإشهار التجارية والصناعية من شوارع المدينة وعدم الترخيص في انتصابها، وقد علل اتخاذه لهذه التدابير من اجل تكاثر اللافتات الإشهارية المثبتة بالطريق العام وعلى حافة الطرقات الدولية والتي أصبحت تمس بمظهر المدينة وجمالها وذلك بالإضافة إلى انتصاب معظمهم بدون رخصة مسبقة ولعل هذا القرار جاء ليؤكد الاعتراف بحرية التجارة والصناعة من قبل المحكمة الإدارية كما تجدر الإشارة إلى الاعتماد على سلطات الضبط الإداري من قبل الإدارة معتمدة في ذلك على سلطتها التقديرية، وهنا نجد دور القاضي الإداري في النظر في رقابة التناسب على تدابير الضبط حماية لمبدأ حرية التجارة والصناعة وتمثل رقابة التناسب إجراء يهدف إلى التحقق ما إذا كانت وسائل الضبط المعتمدة تتناسب ودرجة خطورة الظروف التي صدر فيها القرار المطعون فيه هو ما جاء صلب قرار الغرفة النقابية لشركات الإشهار أنه “وحيث لا يستنتج من عريضة الدعوى وملف القضية أن مظهر المدينة وجمالها يستدعيان إزالة كل اللافتات وعدم الترخيص في انتصابها وحيث أن الصبغة العامة للقرار المنتقد بدون أي سبب شرعي تجعله يمس بمبدأ حرية التجارة والصناعة وترتيبا على ذلك فان العارضة محقة في طلب إلغائه” (21).

كما تمتد رقابة الملائمة أو التناسب في مجال المادة التأديبية حيث يبسط القاضي الإداري نظره في هذا الإطار وذلك حماية لحقوق الأفراد من تعسف الإدارة في بعض الحالات.

الفرع الثاني: رقابة الملائمة أو التناسب في المادة التأديبية:

تجدر الملاحظة أن العقوبة في المادة التأديبية صلب الوظيفة العمومية ليست غاية في حد ذاتها بل وسيلة لتحقيق انتظام المرافق العامة خدمة للصالح العام ولكي يتحقق ذلك يجب أن تكون العقوبة متوازنة مع الخطأ متناسبة معه وهو ما يطلق عليه مبدأ الملائمة.

إن السلطة التقديرية الممنوحة للإدارة في مجال إصدار القرارات التأديبية وإن كانت واسعة إلا أنها ليست مطلقة بل تخضع لرقابة القاضي الإداري وينبني ذلك على الرقابة التي يقوم بها على تناسب العقوبة التأديبية مع الخطأ المرتكب.

حيث اعتبرت المحكمة الإدارية أن تقدير مدى أهمية الخطأ في اتخاذ القرار هو من المسائل الموضوعية التي تتعرض لها المحكمة في إطار تفحصها للشرعية الداخلية لذلك القرار، لتعلقها بتقدير ما إذا كانت الوقائع الثابتة كافية لتبرير القرار المنتقد إلا أن فقه قضاء المحكمة الإدارية اعتبر اختيار العقوبة التأديبية يعد من الملائمات المتروكة للسلطة الإدارية التي يرجع إليها حق التأديب ولا يمارس عليها القاضي الإداري إلا رقابة دنيا تفضي إلى إلغاء العقوبة المسلطة على العون المدان وذلك في صورة ارتكاب الإدارة خطا بين في التقدير.

إلا أن المحكمة أكدت أن ” الإدارة تتمتع بسلطة تقديرية واسعة لتحديد مدى خطورة الأفعال التي يرتكبها أعوانها وانتقاء العقوبة التي تراها لتوقيعها عليهم”(22).

وأقرت بوضوح وبصفة قطعية و في عدة أحكام صادرة عنها بأن ” العقوبة التأديبية يجب أن تتناسب مع الخطأ المرتكب”(23).

ولعل هذا التوجه من القاضي الإداري يتنزل صلب السياق العام والتوجه المتبنى من المحكمة الإدارية في إطار ارتكازه على المبادئ العامة للقانون وتحديدا التي تتعلق بقيم العدالة والتي تترتب عن مبدأ العدالة التي هي غاية كل قانون سواء نص عليها أو لم ينص حيث اعتبر الفقيه الفرنسي André de Laubadère أنها ” عدد من المبادئ التي لا تظهر مصاغة في نصوص مكتوبة ولكن يعترف بها القضاء باعتبارها واجبة الإتباع من الإدارة وإن مخالفتها تمثل انتهاكا للمشروعية”.

ويتفرع عن مبدأ العدالة الحق في محاكمة عادلة حيث يمكن اعتماد هذه الصيغة و إقحام هذا الحق باعتبار الطابع الزجري في المادة التأديبية وتشابه بعض الإجراءات الشكلية في المادة الجزائية وهو ما أقرته المحكمة الإدارية في حكم صادر عنها أن ” ثبوت الخطأ التأديبي يفترض الجزم واليقين الذي لا يرتقي إلى الشك وأساس ذلك البت في صحة الوقائع وماديتها من قبل القاضي الإداري شبيه بما يقوم به القاضي الجزائي في حدود اختصاصه بالنظر للصبغة الزجرية التي من المفروض أن تسوسها”(24).

كما أكدت المحكمة الإدارية ” أنه من المبادئ الأصولية في فقه قضاء هذه المحكمة أن العقوبة التأديبية لا تكتسي الصبغة الشرعية إلا متى تثبت بصورة قاطعة صحة الوقائع المنسوبة للعون العمومي المدان وذلك من خلال أوراق الملف المرفوعة إلى القاضي الإداري أو إذا تأيدت بفعل تحقيق المحكمة”(25).

خاتمة عامة:

من خلال الاطلاع على فقه قضاء المحكمة الإدارية يمكن أن نتبين دور القاضي الإداري التونسي في حماية الحريات الأساسية منذ السنوات الأولى لعمل هذه المؤسسة ورغم أداء المحكمة لمهامها في ظروف نظام شمولي امتد لعقود فقد كانت المحكمة جريئة في أحكامها تستنبط وتجتهد لحماية الأفراد من تعسف الإدارة وهو ما جعلها بحق احد أركان ضمان دولة القانون وحماية الحريات الأساسية الا أن هذا المجهود يبقى متأثرا ببعض الإشكاليات الخارجة عن مجالها وتتعلق بصعوبة تنفيذ أحكامها وذلك بمنع توجيه الأوامر من قبل القاضي الإداري تجاه الإدارة وفي هذا السياق يمكن أن نشير الى التجربة الفرنسية المتمثلة في سلطة توجيه الأوامر نحو الإدارة Le pouvoir d’ injonction du juge administratif التي يمكن نستلهم منها.

الهوامش:

(1)- محمد رضا جنيح، الأحكام الكبرى في فقه قضاء المحكمة الادارية، مركز النشر الجامعي 2007، صفحة 258.

(2)- المرجع السابق صفحة 375.

(3)- القضية عدد 1887 بتاريخ 27 جوان 1990 رافع بن عاشور ومن معه ضد وزير التربية والتعليم العالي والبحث العلمي.

(4)- القضية عدد 18428 بتاريخ 5 نوفمبر 2002 سناء الغرياني ضد وزير المالية.

(5)- القضية عدد 15533 بتاريخ 15 جويلية 2000 الغريسي ضد وزير الدفاع الوطني.

(6)- القضية عدد 982 بتاريخ 28 اكتوبر 1985 احمد الزايدي ضد وزير الدفاع الوطني.

(7)- القضية عدد 51 و116 بتاريخ 23 مارس 1977 علي مبارك ضد وزير الصحة. العمومية.

(8)- القضية عدد 134 بتاريخ 15 فيفري 1978 حسن السعيدي ضد وزير التربية القومية.

(9)- القضية عدد 2456 بتاريخ 2 مارس 1994 محمد زروق ضد وزير السياحة والصناعات التقليدية.

(10)- القضية عدد 14221 بتاريخ 24 نوفمبر 2000 العريبي ضد رئيس بلدية الزهراء.

(11)- عبد الرزاق بن خليفة اجراءات النزاع الإداري القانون وفقه القضاء دار اسهامات في أدبيات المؤسسة صفحة 74.

(12)- Genevois Bruno la jurisprudence du conseil constitutionnel principes diorecteurs les éditions STH 1988 PAGE 224.

(13)- القضية عدد 1404/1405 بتاريخ 17 جويلية 1989 نقابة اعوان البنك المركزي ضد محافظ البنك المركزي.

(14)- القضية عدد 17972 بتاريخ 16 مارس 2002 بوعبدلي ضد وزير التعليم العالي.

(15)- القضية عدد 14757 بتاريخ 3 جوان 1999 بن عمار ضد وزير التجهيز.

(16)- القضية عدد 14570 بتاريخ 30 نوفمبر 1999 التوكابري ضد وزير التعليم العالي.

(17)- القضية عدد 139135 بتاريخ 26 جوان 2015 الجامعة العامة التونسية للشغل ضد رئيس الحكومة ووزير الشؤون الاجتماعية.

(18)- القضية عدد 3879 بتاريخ 14 مارس 1995 شركة كريشان وأبناؤه ضد بلدية القصرين.

(19)- القضية عدد 451 بتاريخ 15 فيفري 1982 الغرفة النقابية لشركات الاشهار ضد بلدية تونس الحاضرة.

(20)- محمد رضا جنيح المرجع السابق صفحة 259.

(21)- القضية عدد 451 المذكورة.

(22)- القضية عدد 25889 بتاريخ 18 جوان 2009.

(23)- القضية عدد 26515 بتاريخ 22 جانفي 2009.

(24)- القضية عدد 27091 بتاريخ 26 سبتمبر 2009.

(25)- القضية عدد 16352 بتاريخ 1 أفريل 2009.

* رمزي الكوكي باحث في القانون العام ومتخرج من المدرسة الوطنية للإدارة.

المصدر - احداث بوليجيريس -مجلة الدراسات القانونية و البحوث السياسية و الاجتماعية


للمشاركة في الدورة التكوينية حول المسؤولية المجتمعية للمؤسسات على ضوء المواصفة القياسية أيزو 26000 اضغط هنا


 
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)
  • آخر تعديل على الأربعاء, 30 آب/أغسطس 2017 08:24
  • حجم الخط

فيديوهات قضاء نيوز

Loading Player...

تابعونا على الفايسبوك



تابعونا على تويتر

خريطة الموقع

للإتصال بنا

العنوان : 29 شارع المنجي سليم باردو

الهاتف : 224 224 71

الفاكس : 244 224 71

البريد الإلكتروني : marsed.kadha.tn@gmail.com